يقدمه: محمد عبدالقدوس
اللواء “سمير فرج” من أبرز الإعلاميين في بلادي ، وهو أصغر ضابط تخرج من الكلية الحربية في تاريخ مصر كلها .. وكان عمره ١٧ عاما فقط وذلك عام ١٩٦٣ ، شارك بعدها مباشرة في حرب اليمن وجميع الحروب التي خاضتها مصر بعد ذلك ضد العدو الإسرائيلي ..
ولم يتوقف نشاطه بعدها بل كان مسئولا عن إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة لسنوات ، وتستطيع أن تعتبره الأب الروحي لهذا الفرع المهم لجيشنا العظيم، ثم شغل مناصب عدة في الحياة المدنية على رأسها مدير الأوبرا المصرية ثم محافظ الأقصر ..
وترك بصمات واضحة في كل المجالات التي عمل فيها. سألته عن اليوم الذي لا ينساه في حياته الحافلة بالأحداث ..
أجابني أنه اليوم الذي تم فيه إلغاء محاكمة أحد جنودنا الأبطال بتهمة مخالفة الأوامر ، وذلك عقب لقاء عشاء خاص جداً كنت المدعو الوحيد فيه ولم أتوقعه أبدا.
طرأت الدهشة على وجهي كما أراها على وجه من يقرأ مقالي: إزاي يحاكموا جندي بطل بدلاً من أن يعطوه وسام ؟؟وإيه حكاية العشاء الخاص جداً وما علاقته بهذه المحاكمة ؟؟رد بابتسامة الاطمئنان والثقة والنجاح: إنها حقا واقعة غريبة ..
واعترضت على محاكمة هذا الجندي بشدة !وكان ذلك مع بدايات حرب الاستنزاف عام ١٩٦٧ عقب الهزيمة المؤلمة .. وكنت في الخطوط الأمامية في الجبهة عند ضفاف قناة السويس مسئولا عن عدد من الضباط والجنود ..
وفي يوم لا أنساه بدأ العدو بإطلاق النار علينا ثم صعدت دبابة إسرائيلية فوق ربوة عالية وأخذت تطلق مزيداً من النيران .. وكانت التعليمات واضحة: لا ترد على عدوك إلا بعد استئذان قيادتك ..
والحصول على إذن يتطلب وقت يصل إلى ربع ساعة بسبب تسلسل القيادة حتى الوصول إلى قائد المنطقة كلها.
والمفاجأة أن الشاويش “محمد عبدالله” المسئول عن المدفع المضاد للدبابات لم يتمالك نفسه بل قام لتعمير مدفعه وأطلق قذيفة في إتجاه الدبابة أصابتها في مقتل واشتعلت فيها النيران وقتل كل من فيها ..
وأخذت صيحات “الله أكبر” تتردد في كل مكان من الجبهة .. حيث شاهدها الجميع لأنها كانت في مكان مرتفع ..
وبعدما هدأت المعركة وتوقف إطلاق النار سألني قائدي: هل الشاويش الذي دمر الدبابة حصل على إذن منك بذلك ؟؟
قلت له: لا .. قال القائد بحزم: إذن لابد من تحويله إلى محاكمة عسكرية بتهمة مخالفة الأوامر المعروفة للجميع ..
أعترضت على ذلك بشدة وقلت له ما قام به عمل بطولي .. وكانت صيحات التكبير تتردد في الجبهة كلها …
لأول مرة نعرف طعم الفرحة منذ مدة طويلة .. ويضيف اللواء “سمير فرج” قائلاً: واستدعاني بعدها إلى مكتبه وعندما رأى إصراري على الدفاع عنه والإشادة ببطولته ..
فاجئني بالقول: خذ أجازة وانزل إلى القاهرة !!. وعدت من الجبهة وذهبت إلى شقيقتي وبيتها يقع في منطقة “الكربة” بمصر الجديدة ..
وكان هناك زوجها وصديق مقرب له يعمل في مكتب الرئيس “جمال عبدالناصر” ..
وفوجئوا بزعلي الشديد حتى أنني رفضت تناول الغذاء وأكلتي المفضلة وهي “السبانخ” من صنع أختي ..
وفي المساء أتصل بي المسئول الكبير صديق زوج شقيقتي وقال لي: عارف إنك زعلان تعالى نخرج سويا للترفيه عن أنفسنا .. رفضت ذلك ، لكنه أصر ، وعندما ذهبت معه كنا بالقرب من بيت الرئيس “ناصر” .. وفوجئت بما لم يخطر ببالي أبدا أبدا ..
قال لي: عندك موعد دلوقتي معه .. أنا رويت له القصة وعايز يسمع تفاصيلها منك !! دخلت بيت الزعيم وأنا أرتجف من فرط المفاجأة .. وجلست في الصالون ..
ورأيته بعد قليل قادماً واستقبلني بحرارة وابتسامة ودودة .. ولم أصدق نفسي .. أنا الضابط الصغير في حضرة القائد الأعلى للقوات المسلحة كلها ..
وهذه الملاحظة لفتت نظر “ناصر” وسألني ضاحكاً: أنت صغير في السن كدة ليه ؟؟
أبتسمت قائلا: يا فندم أنا أصغر ضابط تخرج من الكلية الحربية ، وكانت هناك مفاجأة أخرى: الزعيم يدعوني إلى العشاء وأنا ضيفه الوحيد ..
وقال لي: عشائي الجبنة البيضاء لكن أوصيت الطباخ بعشاء مخصوص لك .. قلت في نفسي إيه العظمة دي كلها يا ريس .. هكذا رأيت “ناصر” يحب ضباطه وجنوده الذين يحاربون في الجبهة.
وفي أثناء تناول عشاءنا رويت له الحكاية كاملة .. وبعدها قال “ناصر” أنا مقدر شعورك .. لكن الرد على العدو له حسابات ولابد أن يكون تسليحنا كافياً لمقابلة عدوانه. واتصل أمامي بالفريق “محمد فوزي” القائد العام للقوات المسلحة وسأله عن أخبار الجبهة ومحاكمة هذا الجندي ثم قال له: ألغي هذه المحاكمة.
وشكرت الريس جداً جداً وعدت إلى الجبهة وقال قائدي: المحاكمة ألغيت !! وكانت روحنا المعنوية جميعاً في السماء .. ورد الصاع صاعين للعدو الإسرائيلي .. إنها حقا واقعة لا أنساها أبدا في حياتي.



