تريثوا ولا تتسرعوا.. القرآن لا ينكر وقوع الصدفة، لكنه ينكر ادّعاء العلم بالغيب.
ومن هنا يتجسد المعنى العميق لعبارة:«كذب المنجّمون ولو صَدَفوا» أي أن الصدفة لا تُحوّل الوهم إلى حقيقة، ولا الظن إلى يقين يخرج علينا المنجّمون دائما بتصريحات واثقة، لا تحتمل الشك، وكأنهم يملكون مفاتيح الغيب.
واللن يبدأ الجدل بعد ما قيل عن توقع ليلى عبد اللطيف بفوز السنغال بالبطولة الإفريقية، لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
مقولة «كذب المنجّمون ولو صدفوا» لا تنكر وقوع الصدفة، لكنها تضعها في حجمها الحقيقي. فالتوقعات التي تُقال بالعشرات، بل بالمئات، من الطبيعي أن يُصيب بعضها الهدف، لا عبقريةً ولا كشفًا للغيب، بل لأن الاحتمالات تسمح بذلك.
السؤال المنطقي كم توقعًا لم يتحقق ولم يُلتفت إليه؟الرياضة تحديدًا بيئة خصبة للوهم.
فالسنغال لم تكن فريقًا مغمورًا أو مفاجأة خارقة؛ بل منتخب قوي، يضم لاعبين محترفين، وسبق له الوصول إلى أدوار متقدمة، وكان أحد المرشحين بالفعل.
فهنا نحن لا أمام نبوءة، بل أمام قراءة احتمال نجح، مثلها مثل توقع محلل رياضي أو مشجع متابع.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التنجيم ذاته، بل في الاستسلام النفسي له.
حين يتحول العقل الجمعي من التحليل والعمل والتخطيط إلى انتظار الإشارة الغيبية، نفقد القدرة على الفهم، ونستبدل الجهد بالاتكال، والعلم بالحدس، والمنطق بالحكاية.
المنجّم لا يدفع ثمن خطئه، ولا يُحاسَب على توقع لم يصب، بينما يدفع المجتمع ثمن الترويج للوهم.
وعندما تصدق واحدة، تُرفع على الأكتاف، وتُنسى عشرات السقطات في صمت متعمد.
لذلك، يبقى المبدأ واضحًا: نحترم الصدفة، لكن لا نُقدّسها.
ونُحلل الواقع، ولا نهرب منه إلى الغيب.
فالسنغال فازت لأنها لعبت، واجتهدت، وخطّطت…
لا لأن أحدًا قال ذلك مسبقً.


