بعد العيد وعليك خير مع كل عام، نستقبل رمضان بالترحيب نفسه، والنيات الطيبة نفسها، والوعود بأن يكون هذا الشهر مختلفًا.
لكن بعد أيام قليلة، يعود المشهد المألوف: توتر في الشوارع، تراجع في أداء بعض الأعمال، أعصاب مشدودة قبل الإفطار، وكأن الصيام أصبح عبئًا كبيرا .
رمضان لم يُشرع ليكون اختبارًا لقدرة الجسد على التحمل فقط، بل ليكون تدريبًا يوميًا على تهذيب السلوك.
ومع ذلك، تتكرر ظواهر تناقض روح الشهر.
في الشارع، تتصاعد خناقات الطرق بصورة لافتة.
احتكاك بسيط يتحول إلى مشادة، وأولوية مرور تتحول إلى معركة كرامة.
الجميع يردد العبارة نفسها: “أنا صايم”.
بينما الحقيقة أن الصائم الحقيقي يُفترض أن يكون أقدر على كظم الغيظ، لا إطلاقه.
الجوع ليس مبررًا للعصبية، بل مساحة لاختبار الصبر.
وفي العمل، يظهر وجه آخر للمشكلة: التكاسل بحجة الصيام.
تأخير في إنجاز المهام، انخفاض في التركيز، تراجع في الالتزام بالمواعيد.
يتحول الشهر عند البعض إلى موسم أداء محدود، (بعد العيد ان شاء الله )رغم أن قيمة الأمانة لا تتجزأ الصيام لا يعفي من المسؤولية، بل يمنحها بعدًا أخلاقيًا أعمق، لأن العمل في هذه الحالة يصبح عبادة أيضًا.
داخل البيوت، يتكرر مشهد التوتر قبيل الإفطار.
ارتفاع في الصوت، حساسية زائدة، ضيق من أبسط الأمور.
دقائق كان يمكن أن تكون مساحة ذكر وهدوء، تتحول إلى لحظات ضغط وانفعال.
وكأن الامتناع عن الطعام لم يصحبه امتناع عن الغضب.
المشكلة ليست في الخطأ البشري؛ فالكمال ليس شرطًا في رمضان.
لكن الخطورة تكمن في أن يمر الشهر دون مراجعة حقيقية لهذه السلوكيات.
أن نظل كما نحن، بنفس العصبية، ونفس التقصير، ونفس الفوضى، ثم نكتفي بالشعور أننا أدينا ما علينا لأننا صمنا.
رمضان فرصة سنوية لإعادة ضبط البوصلة.
إذا لم نتعلم فيه احترام الطريق، وإتقان العمل، وضبط الانفعال، وتقليل الاستهلاك…
فمتى نتعلم؟ لا يكفي أن نصوم عن الطعام فقط، فالقيمة الحقيقية للصيام تكمن في تهذيب ما بداخلنا من طباع سيئة.



