في أدب الكاتبة النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي، تتخذ العلاقة بين “المؤرخ” و”الروائي” طابعًا جدليًا عميقًا، يتجاوز التعريفات التقليدية للماضي والحقيقة، نحو إعادة طرح الأسئلة الكبرى: من يملك الحق في رواية التاريخ؟ ومن يُقصى من سرد الحكاية؟ وهل للتاريخ وجه واحد يكفي؟
في محاضرتها الشهيرة “خطر القصة الواحدة” (The Danger of a Single Story)، تحذر أديشي من استفراد التاريخ الرسمي بالسرد، فتقول: “مشكلة الصور النمطية ليست أنها خاطئة، بل أنها غير مكتملة.” وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المؤرخ والروائي؛ فالأول يوثق، يرتب، ويؤطر، أما الثاني فيتنفس الحكاية، يرويها بشغف الناجين، وبتفاصيل لا تحتملها كتب المؤرخين.
تتجلى هذه الفكرة في قصتها”المؤرخة العنيدة” “The Headstrong Historian”، حيث تقدم بطلتها “نوامبغا” كنقيض حي للمؤرخ الذكوري الاستعماري. إنها امرأة تنحت سردها من ذاكرة الجماعة، لا من الأرشيفات الرسمية. تنقل موروثها لحفيدتها، فتكبر الطفلة لتصبح “الواعية المؤرِّخة” التي تعيد كتابة تاريخ قومها، الذي رواه الكولونيالي، وتعيده كما عاشتْه الجدة، وسمعته، وتكوّن في رحم التجربة.
في أدب أديشي، لا يُلغى المؤرخ، لكنه يُسائل. يتم أحترام قيمته، ويتم استدعاءه إلى مائدة السرد المشترك، حيث تُكمل القصصُ بعضها البعض، وتُصحّح. الروائي لا يدخل في منافسة مع المؤرخ، هو يقوم بإعادة التوازن. يحرر السرد من الأحادية، ويعيد تشكيل الذاكرة الجمعية بفسيفساء التجارب.
وهكذا، تذكرنا أديشي بأن السرد بلإضافة لكونه أداة جمالية، هو فعل مقاومة، واسترداد كرامة. وأننا، كي نفهم الماضي، نحن نحتاج إلى مؤرخين حتى نعرف… ونحتاج إلى روائيين حتى نشعر.