الداء والدواء
” يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها”.
فقالوا: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: “بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنَّكم غثاء كغثاء السيل, ولينزعنَّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوَهن”.
قالوا: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: “حُب الدنيا وكراهية الموت” ..
هذا هو تشخيص الواقع العربي المنتكس الركيك المتراجع والذي جعل أمة ممتدة من المحيط إلي الخليج في مهب الاندثار والانكسار 25 دولة عربيّة ..
430 مليون عربي ..57 دولة مسلمة ..2 مليار مسلم ..
ومع ذلك كثرة عددية غثائية وملاءة مالية وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة لكن مثل غثاء السيل لا تأثير ولا ثقل ولا استمرارية ولا ديمومة قشرة حضارية ركيكة بلا لباب واهية واهنة (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) لكنما الروح سطحية جاهلية.
لكنما النفوس ترزح تحت نير الاستنامة إلي حياة الدعة والرتابة والخمول والاستسلام لجاذبية الأرض وأثقال شهواتها وشبهاتها وإغراء وتحريض هذه الزينة الزائفة والراحة الزائلة والمتعة المنقضية والمدة المنصرمة وسراب الألقاب الخادعة و بهارج الأيام اللامعة لمعانا مؤقتا كسحابة صيف عما قريب تنقشع ومثل الزبد الذي يذهب جفاء ولا يمكث في الأرض.
ها نحن أولاء نخسر الحاضر وربما المستقبل أيضا ونغدو فريسة تداعت عليها قوي الاستكبار والاستعمار بلا هوادة بعد أن فشلنا في جهاد النفس البشرية مخدوعين بزينة الحياة الدنيا المادية الكاذبة الحاضرة المؤقتة متناسين مجد الخلود الكامن في أكمام الغيب وضمير الغد وطيات المستقبل والذي قد يكون ملفوفا بالمرارة محفوفًا بالوجع.
وها نحن نتجرع مرارة الفشل الحضاري والإنساني من عواقب الاختيار الأدني والرضا بالدنية من امرنا ومن عقابيل الانحدار في وهدة الحياة الفانية.
وها نحن أمة في مهب الريح جغرافيا وتاريخيا وعلي شفا حفرة من الناربعد أن تنكبنا عن جادة الصواب والصراط المستقيم وفصمنا العروة الوثقي ولم نعتصم بحبل الله وتفرقنا طرائق قددا وذهب ريحنا وزهقت روحنا وخبا ريحاننا.
وعزفنا عن سبيل الحق الحقيقة وأخلاق الفرسان و امتطاء صهوات الأيام عرقا وكدا وجدا واجتهادا ومثابرة ومكابدة وهجرنا السعي في سبيل الله لإماطة الأذي عن دروب حياة الناس وأهملنا غرس أشجار الخير والفضيلة غراسا أصله في الأرض ثابت موغل ضارب للأعماق لا تحلحله عواصف السنين ولا صروف الأيام وفرعه في السماء سامق باسق يثمر محبة وجمالًا وجلالًا.
قد تنتصر العقول الساذجة والنفوس الواهمة الواهية للذة اللحظة وتفرح بعصفور في اليد وهو الذي ربما يطير ويرتفع عما قريب وليس المعني المقصودأن نتوسد الغبراء ونلتحف السماء ونرتدي الزهد والتقشف المطلق
ولكن المبتغي المرجو حصول التوزان بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة بين نداء الواجب وهمسات الروح وبين سطوة الغريزة وصولجان الجسد وتحليق الوجدان بين النفس الأمارة والنفس اللوامة ربما نصل إلي النفس المطمئنة يا ربنا اجعلنا من الذين ينفرون في سبيلك خفافا في رشاقة المحبين للقائك وثقالا بزاد المعاد ومئونة الرحلة من صبر ومثابرة ولا تجعلنا من الذين يتثاقلون بتأثير جاذبية الأرضف تتداعي عليهم الأمم تلتهمهم بلا رحمة ولا هوادة.


