بقلم الصحفى الكبير د. حماد الرمحى
في مشهد إعلامي تتزاحم فيه الأسماء، يظل اسم جمعة قابيل حالة استثنائية يصعب اختزالها في لقب واحد، فهو ليس مجرد كاتب صحفي أو إعلامي تقليدي، بل نموذج متفرد استطاع أن يعيد تعريف العلاقة بين الصحافة والصورة، وأن يحوّل الكلمة من سطور تُقرأ إلى رسالة تُرى وتُحس، ليُلقّب عن جدارة بـ”فارس الوعي” ومبتكر الصحافة المرئية.
على مدار أكثر من ثلاثين عاماً من العمل المهني المتواصل، نسج قابيل مسيرة ثرية داخل أروقة كبرى المؤسسات الصحفية، بدءاً من “دار الحياة” و”دار الهلال”، مروراً بـ”جريدة الجزيرة” السعودية، وصولاً إلى محطة الاستقرار والتأثير في “مجلة الإذاعة والتليفزيون” حيث تدرج حتى منصب نائب رئيس التحرير.
ولم يكن هذا المسار مجرد انتقالات وظيفية، بل كان رحلة تراكم خبرات وصناعة حضور مبكر في مواقع القيادة، تجلت في توليه رئاسة تحرير منصات صحفية بارزة مثل “الأسواق العربية” و”السياسة الدولية” بإصداراتها العربية والإنجليزية، داخل مصر وخارجها.غير أن التحول الحقيقي في تجربته جاء حين كسر القالب التقليدي للصحافة، مقدماً تجربة رائدة تمثلت في “تلفزة الصحافة”، حيث نجح في نقل الخبر من الورق إلى الشاشة، عبر برامج شكلت علامات فارقة مثل “صحافة كليب” بالفضائية المصرية و”يوميات صحفي وفنان” و”باحث عن المتاعب” بالتليفزيونالمصرى.
ثم امتد حضوره إلى فضائيات متعددة، مقدماً محتوى يمزج بين الوعي والإنسانية، فكان برنامجه “شريك العمر” فى عدة قنوات مبادرة اجتماعية مؤثرة لمعالجة قضايا العنوسة وتزويج اليتيمات، بينما حمل برنامج “الناس للناس” بعداً إنسانياً مباشراً في دعم الحالات الصعبة، في حين كشف برنامج “ناسك يا وطن” عن الوجه الحقيقي للعطاء المجتمعي، وجاء برنامج “كلام الليل” مساحة صادقة للبوح الإنساني، قبل أن يواصل اليوم رسالته عبر برامج مواكبة ومكثفة مثل “دقيقة وعي” و”كلمة ونص”.
ولم تتوقف تجربته عند حدود الصحافة والإعلام، بل امتدت إلى الفن الذي آمن به كوسيلة توعوية، متأثراً بمدرسة الفنان محمد صبحي في تقديم “الفن الهادف”.
فخاض مجالات التأليف والتمثيل، وقدم أعمالاً درامية متعددة، من بينها الفيلم القصير “حب”، وعدد من المسلسلات التي جمعت بين الطابع الكوميدي والرسالة الاجتماعية، مثل ( انا والمدام ) و ( نسمة ونصيب ) و ( بث مباشر ) و ( نعيم فى نعبم ) وغيرها إلى جانب تجربة “مسرح الناس” التي قدم من خلالها شكلاً مسرحياً متجدداً يجمع بين الترفيه والوعي في إطار درامي متصل.
ورغم هذا الحضور المتنوع، يظل الجانب الإنساني في شخصية جمعه قابيل هو الأكثر رسوخاً وتأثيراً؛ فهو إعلامي يفضل الابتعاد عن صخب الأضواء خارج إطار عمله، ويتسم بالبساطة والتواضع في تعامله، ويجد قيمته الحقيقية في خدمة الناس والاستجابة لقضاياهم.
كما يُعرف بمواقفه الوطنية الواضحة، ودعمه المستمر لمؤسسات الدولة، مع حفاظه على سمعة مهنية نظيفة بعيدة عن الصراعات الإعلامية.
هكذا يتجلى جمعه قابيل كصورة للمثقف الشامل الذي لم يكتفِ بممارسة أدواره التقليدية، بل أعاد تشكيلها بما يخدم المجتمع ويواكب تطور أدوات التأثير، جامعاً بين القلم والكاميرا والمسرح في مشروع واحد عنوانه الوعي، ورسالة واحدة جوهرها الإنسان.
د.حماد الرمحي



