تلا الإمام في الركعة الثانية تلكم الآيات من سورة الضحيفأما اليتيم فلا تقهر.
وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث…كلمات قليلات من سورة الضحي وكما أن الضحي ذروة السطوع وقمة التجلي والإشراق والضحي كالوضح فيه الجلاء والوضوح والشفافية كذلك تأتي هذه الآيات بحروفها المعدودات الكم الساطعات المبني الرائعات المعني الجليات المضمون العميقات المحتوي لتلخص منهاج حياة كامل وخطة طريق جلية المعالم تبلور الدين في مفهوم واحد هو الإنسانية وتمحور السعادة حول محور واحد هو خدمة الآخرين.
ولا سيما المحتاجين والمحرومين من الحنان كالذين تجرعوا مرارة اليتم وفقدان السند من اليتامي والثكالى بني الدين علي عبادات لكن هذه العبادات تصبح في حكم الشقشقات اللسانية الفارغة والحركات البدنية الخاوية إذا لم تخرج من حيّز المسجد ولم تتجاوز سياج الصومعة إلي براح المعاملات ومعترك الاحتكاكات المجتمعية فتصبح ديناً يمشي علي قدمين يمسح علي رأس اليتيم ويجفف دمعة الثَّكلَي ويواسي جراحات المكلوم.
فإذا لم تستطع العطاء وغدا اليتيم في معادلة مجتمعه رقماً مهملا لا يجد من يحنو عليه فأضعف الإيمان ألا تُمارس عليه القهر ولا تخلع عليه رداء المذلة ولا تصب عليه جام غطرستك واستعلائك ولا تستعرض عليه مركبات النقص البشرية الكامنة في أغوار كل آدمي يستسلم للجانب المظلم من تكوينه.
والسائل قد يكون الذي يعاني من نقص في المادة أو المعرفة لم يقل لك تصدق عليه وامنحه عطاياك وبلغه مأمنه المادي وسد فجوته المالية وارأب صدعه المعرفي أو اشف ظمأه الفكري ولكنه يوصي بالحد الأدني أن تدرأ عنه عقدك وكبرك واستعلاءك وتخفض له جناح الرحمة.
وتستدعي الإنسان الذي بداخلك فإذا لم يجد عندك ضالته المادية أو الفكرية لم يرتد من عندك بخفي حنين وأذيال الحسرة والدونية والمهانة الاقتصادية أو الفكرية وأما بنعمة ربك فحدث.
والتحديث هنا ليس مجرد اجراء الأحاديث وإلا لقال تحدث ولكنه تحديث للنعمة وتجديد وتطوير للخطاب الديني والمعرفي والعلمي وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فطالما النعم خارج نطاق الحصر وفوق طاقة العد فليكن شكرنا للنعمة بالاعتراف بها في المجمل والانفاق منها في المطلق والرحمة والحنان نعمة فلتبذلها لليتامى والمساكين والعلم والتعليم نعمة فلتجتهد لنشر تعاليمه وإرساء دعائم دولة العلم واليقين.



