في لحظةٍ ظننتها بدايةً لحلمٍ يمكن أن يمتد أثره إلى وجدان الناس، رفعتُ سماعة الهاتف لأتواصل مع وزير الثقافة الراحل توا من الوزارة ، لا بصفته مسؤولًا رسميًا فحسب، بل باعتباره رمزًا لزمنٍ كانت فيه الثقافة مشروع دولة، لا مجرد نشاطٍ هامشي. عرضتُ عليه فكرةً بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: لماذا لا نعيد تشكيل الذوق العام عبر الموسيقى؟ لماذا لا تعود المقطوعات الراقية إلى الشوارع، إلى الأسواق، إلى الميادين؟ لماذا لا نعيد “كشك الموسيقى” ليصبح مساحةً يومية يلتقي فيها الناس بالفن الحي؟
كنت أتوقع حماسًا، أو على الأقل نقاشًا يليق بحجم الفكرة، لكن الرد جاء باردًا، إداريًا، خاليًا من الروح: “يمكنك التواصل مع الجهات المعنية.”لحظة صمتٍ أعقبت تلك الكلمات، لم تكن مجرد خيبة أمل شخصية، بل كانت انعكاسًا لتحولٍ أعمق… تحولٍ أصاب مفهوم الثقافة ذاته.
كيف وصلنا إلى مجتمعٍ لم يعد يحتاج إلى فنانٍ صادق؟إلى روائيٍ يغامر باللغة والفكرة؟إلى مخرجٍ يحمل رؤيةً تتجاوز السائد؟
كيف أصبحنا في زمنٍ لا يرى في السينما إلا وسيلة استهلاك، ولا في المسرح إلا رفاهية زائدة، ولا في الفن إلا سلعة سريعة بلا روح؟
الحقيقة المؤلمة أن المجتمع لم يعد يُغذّى ثقافيًا، بل يُترك ليستهلك ما يُلقى إليه. ومع غياب المشروع الثقافي الحقيقي، ظهر نوعٌ من “الفن الرخيص” الذي لا يطلب جهدًا ولا يقدم قيمة، فنٌّ بلا مقابل لأنه بلا معنى. ومعه ظهرت تشوهات تمسخ الواقع، وتعيد تشكيل الذوق العام في اتجاهٍ أكثر سطحية، وأكثر ابتعادًا عن الجمال.
لقد كان دكتور ثروت عكاشة يؤمن أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية. كان يرى أن بناء الإنسان يبدأ من وعيه، وأن الفن أحد أهم أدوات هذا البناء. لم يكن الفن عنده مجرد إنتاج أعمال، بل صناعة ذوق، وتشكيل وجدان، وبناء هوية.
أما اليوم، فنحن أمام مشهدٍ مرتبك:ثقافة تُدار بردود الأفعال، لا بالرؤية.فن يُنتج لإرضاء اللحظة، لا لصناعة المستقبل.وجمهور يُترك وحيدًا في مواجهة سيلٍ من التفاهة.
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أين يمضي زمن الثقافة؟وهل ما زال بالإمكان استعادة ذلك الإيمان بأن الفن رسالة، لا مجرد وسيلة للربح؟
ربما لا يكون الحل في انتظار قرارٍ رسمي، أو مبادرةٍ مؤسسية، بل في إحياء الفكرة ذاتها… أن الثقافة مسؤولية جماعية، وأن الفن الحقيقي قادر، مهما ضاقت المساحات، على أن يجد طريقه إلى الناس.
قد لا يعود “كشك الموسيقى” كما كان، لكن روحه يمكن أن تعود… إذا آمنّا أن المجتمع لا ينهض إلا بذوقه، ولا يُنقذ إلا بفنه.



