بقلم …..د علاء الجندي
في زمنٍ يعلو فيه هدير الأخبار الساخنة، وتتصدر فيه خرائط الصراع شاشات العالم، اختار وزير التربية والتعليم، الدكتور محمد عبد اللطيف، طريقًا مختلفًا؛ طريقًا يبدأ من قلب القاهرة ولا ينتهي إلا عند أبواب الفصول في عمق الصعيد.
لم تكن الرحلة إلى مدارس محافظة قنا مجرد زيارة بروتوكولية تُضاف إلى سجل الجولات الرسمية، بل بدت — في توقيتها ودلالتها — رسالة عملية تقول إن التعليم في مصر لا يُدار عن بُعد، ولا يُطمأن عليه من خلف المكاتب، بل يُتابَع حيث ينبض: داخل المدرسة، وبين المعلم والطالب.
في وقتٍ دفعت فيه اضطرابات إقليمية عديدة بعض الدول إلى تعليق الدراسة الحضورية واللجوء إلى التعليم الإلكتروني كخيار اضطراري، كان المشهد في الجنوب مختلفًا؛ وزير صائم، ومسافة طويلة، وحرارة نهار رمضان… ومع ذلك، حضور ميداني يؤكد أن الاستقرار التعليمي قرار سيادي قبل أن يكون إجراءً إداريًا.
اللافت في هذه الجولة لم يكن فقط عنصر المفاجأة، بل رمزية التوقيت والمكان. فالصعيد — بما يحمله من خصوصية وتحديات — يحتاج دائمًا إلى من يقترب من تفاصيله لا من يكتفي بمتابعة مؤشراته. ومن هنا جاءت الزيارة وكأنها قراءة مباشرة لنبض الواقع، لا اعتمادًا على تقارير باردة، بل على مشاهدة حية لما يجري داخل الفصول.
لغة الجولات الميدانية تختلف كثيرًا عن لغة البيانات الرسمية؛ الأولى تُطمئن المعلم لأنه يرى المتابعة بعينه، وتدعم الطالب لأنه يشعر بأن منظومته التعليمية محل اهتمام حقيقي، وتبعث برسالة أوسع مفادها أن الدولة تراهن على استمرار العملية التعليمية وجهًا لوجه ما دامت الظروف تسمح.
ولعل أهم ما حملته هذه الخطوة أنها أعادت التأكيد على فلسفة قيادة قائمة على الحضور لا الغياب، وعلى المتابعة المباشرة لا الاكتفاء بالشاشات. ففي عالم يتجه — أحيانًا — إلى الحلول الأسهل، تظل هناك قيمة خاصة لمن يختار الطريق الأصعب عندما يراه أكثر جدوى للوطن.
إن مشهد وزير يتحرك في نهار الصوم، قاطعًا المسافات نحو مدارس الجنوب، لم يكن مجرد خبر عابر، بل رسالة رمزية مفادها أن بناء الإنسان يظل أولوية لا تؤجل، وأن الميدان — مهما اشتدت الضوضاء من حوله — يظل هو المكان الحقيقي الذي تُقاس فيه جدية المسؤولين.
وهكذا، بين ضجيج الحروب في الإقليم، ومشقة السفر، وحرارة النهار، جاء الصوت من قلب الصعيد واضحًا:
التعليم في مصر حاضر… لأن من يتابعه حاضر.



