الأحساء زهير بن جمعه الغزال
يُعد علم الأنواء من العلوم الفلكية العريقة التي ارتبطت عبر التاريخ بمعرفة أحوال الطقس ومواسم السنة وحركة النجوم في السماء، وقد اعتمد عليه العرب قديماً في تنظيم شؤون الزراعة والسفر والحياة اليومية.
وفي إطار الجهود العلمية المعاصرة لإحياء هذا الإرث العلمي بأساليب حديثة، قدم الفلكي العراقي الدكتور زياد علاوي، الأستاذ المشارك في كلية الذكاء الاصطناعي بجامعة بغداد، دراسة فلكية دقيقة تسلط الضوء على العوامل الأساسية التي تحدد مواقيت شروق منازل النجوم بالغدوات، أي قبل شروق الشمس.
وأوضح الدكتور علاوي أن تحديد مواقيت شروق المنازل النجمية يعتمد على عاملين رئيسيين يؤثران بصورة مباشرة في دقة الحسابات الفلكية.
ويتمثل العامل الأول في خط العرض الجغرافي لموقع الرصد الذي تُحسب على أساسه هذه المواقيت.
فاختلاف خط العرض يؤدي إلى تغيّر واضح في توقيت ظهور بعض المنازل النجمية، إذ يمكن أن يزيد أو ينقص موعد ظهورها بما يصل إلى نحو ثلاثة عشر يوماً تبعاً لتغير الموقع الجغرافي.
أما العامل الثاني فيتمثل في زاوية انخفاض الشمس تحت الأفق وقت الرصد، وهي الزاوية التي تبدأ بعدها النجوم القريبة من الأفق بالاختفاء نتيجة اقتراب شروق الشمس.
ويشير علاوي إلى أن تغيير هذه الزاوية ينعكس مباشرة على توقيت ظهور المنزلة النجمية، بمعدل يقارب يوم واحد لكل درجة تغير في مقدار انخفاض الشمس.
وفي خطوة علمية متقدمة، قام الدكتور علاوي بتصميم تطبيق متخصص لحساب مواقيت الأنواء يعتمد على نماذج حسابية دقيقة تأخذ هذين العاملين في الحسبان.
وبعد إجراء العديد من الاختبارات والمقارنات الفلكية، توصل إلى أفضل القيم الممكنة لهذه المعاملات، حيث اعتمد خط عرض يقارب 23.5 درجة شمالاً، وهو ما يتوافق مع موقع مدار السرطان ويُمثل بصورة تقريبية وسط شبه الجزيرة العربية، إضافة إلى اعتماد زاوية انخفاض للشمس مقدارها 9 درجات تحت الأفق.
وقد أسفرت هذه الحسابات عن إعداد جدول فلكي دقيق يمكن الاستفادة منه في تحديد بدايات مواقيت الأنواء في مناطق وسط شبه الجزيرة العربية، الأمر الذي يوفر مرجعاً علمياً موثوقاً للباحثين والمهتمين بعلم الفلك والأنواء.
ويمثل هذا العمل خطوة مهمة في توظيف الأدوات العلمية الحديثة والتقنيات الرقمية في خدمة العلوم الفلكية التراثية، بما يسهم في توثيق المعرفة العربية القديمة وإعادة تقديمها ضمن إطار علمي دقيق.
كما يفتح هذا الإنجاز آفاقاً جديدة أمام الدراسات الفلكية التطبيقية، ويعزز من حضور الباحثين العراقيين في ميدان البحث العلمي المتخصص على المستوى الإقليمي والدولي.



