دق دونالد ترامب أكبر مسمار فى نعش المنظومة الدولية للعلاقات القائمة فى عالم اليوم، واستطاع أن يشد الانتباه من أركان الدنيا الأربعة بسياساته الغريبة وقفزاته المفاجئة على الحقوق الدولية والامتيازات الوطنية وتبدو أطماعه بغير حدود بدءًا من جرينلاند وكندا وصولاً إلى الممرات البحرية الدولية واقتصاديات المعادن النفيسة وفى مقدمتها ثروة البترول الفنزويلى،
والغريب أن الرجل يصرح بذلك علانية ودون حسابات للواقع الدولى أو اهتمام بالرأى العام العالمى فهو يصحو من نومه كل يوم بآراء جديدة وأفكار غريبة يسطو بها على ممتلكات الغير وحقوق الأوطان وأرض الشعوب فى الدول الأخرى، كما أنه لا يكف عن تهديد عدد من الدول المجاورة فى أمريكا الوسطى بعظائم الأمور إذا لم يستجب الجميع لرغباته ويخضع الكل لأوامره وتعليماته، بل لقد تجاوز ذلك الرئيس الاستثنائى لأكبر قوة فى العالم المعاصر كل الحسابات التقليدية والمشاعر الوطنية ومضى فى طريقه يقول كل ما يريد وينتقد كيفما شاء،
بل إن إرهاصات التحول فى سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الشريك الحليف على الجانب الآخر من الأطلنطى وأقصد به دول غرب أوروبا أصبحت لا تطمئن هى الأخرى على مسار العلاقات الرشيدة بين القوتين، لقد أمعن الرجل فى الغلواء والتطرف ومضى يوزع أطماعه وينشر أفكاره والعالم يتابع بقلق شديد ضرباته العسكرية وقراراته الاقتصادية ومحاولات تحقيق أطماعه فى كل مكان.
إن دونالد ترامب قد داس بتصرفاته على كل المواثيق الدولية واستهان عامدًا بكل المعاهدات المستقرة وعبث بالتقاليد السياسية والاتفاقيات الدولية وتجاهل أدوار منظمات التعاون الدولى المختلفة مثل اليونسكو واستخف أيضًا بالعديد من القضايا المعاصرة، وفى مقدمتها قضية تغيير المناخ، إنه لا يجد مبررًا للقلق الذى أصاب الجميع من التقلبات المناخية المعاصرة والتى تهدد بالكثير من الكوارث فى المستقبل الذى يجب أن نقيم الحسابات له وأن نرصد الحلول لمواجهة مشكلاته،
ولكن الرئيس الأمريكى يستخف بذلك كله، ويظن أن الحل قادم مهما كانت الظروف ومهما تعددت الأسباب، وهاهو دونالد ترامب يمضى فى طريقه يستعرض العضلات الأمريكية ويدفع بالاقتصاد الأمريكى لابتلاع كل ما يراه وينظر إلى العالم كله نظرة الإقطاعى للضيعة المثمرة ينال منها كل ما يريد، ولم تقف أطماع ترامب عند هذا الحد بل إن قناة بنما تروق له ويفكر فى السيطرة عليها،
وهو لا يتورع فى الإفصاح عن رغباته فى الحصول على ثروات الآخرين، مثلما قال مبررًا اختطافه الرئيس الفنزويلى بدعوى قضايا تجارة المخدرات وتهريب السلع الاستراتيجية من أجل السيطرة على منافذ البترول هناك، حتى أصبحت مؤتمراته الصحفية وتصريحاته الإعلامية مصدر قلق يشعر به الجميع.
ويتساءل المرء فى أى دولة من عالمنا المعاصر عن هذه الأساليب الجديدة والتحولات الضخمة التى جعلت واشنطن مركزًا للتطرف السياسى والأطماع فى كل ما يملكه الغير، ورغم أنه أقام دعايته الانتخابية فى رئاسته الثانية على نظرية إنهاء الحروب ونشر السلام فإن الأمر اختلف بعد ذلك فهو يسعى إلى إثارة حروب جديدة ونعرات لم تكن قائمة، وقد قال الحكماء (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) وها هو رجل التكتلات الاقتصادية والمشروعات الشرهة يسعى لبناء أمجاده بابتلاع حقوق الشعوب ومصادرة ثروتها وأضواء أحلامها.
إننا ننظر إلى ما يجرى فى واشنطن وما يصدر عنها بقلق شديد بل إننى أظن أن تمثال الحرية على مشارف نيويورك يترنح فى موقعه وهو يرى أن الولايات المتحدة الأمريكية التى كان يجب أن تكون حامية للحريات وراعية للشعوب الصغيرة ومقاومة للفقر العالمى قد تحولت فى السنوات الأخيرة إلى العكس تمامًا، فلم يعد فيها للشرعية الدولية مكان ولا للقانون الدولى أى تأثير، بل وأضحى الأمر كله أطماعًا شرهة ورغباتٍ متعاظمة لالتهام الدول الصغيرة والشعوب المغلوبة على أمرها دون احترام لمواثيق دولية أو شرعية مستقرة أو اتفاقيات ملزمة.
وقد يذكر له التاريخ فى النهاية أن حربه على المخدرات نقطة تحسب له وأن احترامه الفروق بين نوعية البشر والاهتمام بالأسرة ككيان إنسانى موروث أمران يجب تقديرهما، ولكن ذلك لا يعنى أبدًا أن كل ما يقوله صحيح ورائع، بل إن الأمر يوحى بأن العالم مقبل على حالة من الفوضى تنتشر فيها الحروب وتكثر المجاعات ويزداد الفقر، فالرجل يفكر بمنطق الإقطاعى الثرى الذى يلتهم كل ما يراه ويحصد كل مايريد!



