في يومي الأول، خرجت من الفندق بلا خطة واضحة، تاركًا للمدينة مهمة أن تقودني.. ولأنني أسكن في وسطها (ساحة فاتسلاف)، هذا يكفي أن تمشي قليلًا حتى تجد نفسك محاطًا بتاريخ كامل من العمارة والفن؛ أبراج وقباب وكنائس وواجهات عتيقة، تتجاور فيها ملامح الطراز القوطي والباروكي وعصر النهضة، كأن المدينة لم تشأ أن تختار زمنًا واحدًا، فاحتفظت بأزمنتها كلها.
تُعرف براغ بـ”مدينة الأبراج”، وهو لقب تفهمه سريعًا حين ترفع رأسك إلى سمائها.
وفي قلب هذا المشهد تقف قلعة براغ شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، فيما تبدو المدينة كلها أشبه بمتحف مفتوح؛ لا تحتاج فيه إلى تذكرة دخول، يكفي أن تمشي وتنظر.
كنت أتجول منفردًا بين الأزقة والمباني القديمة، مستمتعًا بتلك المتعة التي يمنحها السفر حين تكون وحيدًا: لا أحد يستعجلك، ولا برنامج يفرض عليك وجهته، ولا رفيق تختلف معه حول الطريق.
أنت والمدينة فقط، وما يمكن أن يحدث بينكما.
لكن قدميّ، غير المعتادتين على هذا القدر من المشي، قررتا إنهاء هذه الرومانسية مؤقتًا!
تعبت، وبحثت عن مكان أستريح فيه وأشرب كوبًا من الشاي.
كانت المقاهي مزدحمة بالسياح، والطاولات تكاد تكون ممتلئة.
وبينما كنت أبحث عن مقعد، أشار إليّ رجل يجلس وحيدًا إلى طاولة صغيرة، ودعاني لمشاركته الجلوس.
شكرته وجلست.
عرّفني بنفسه: أفن، من سلوفاكيا.
عرّفته بنفسي، ومن تلك المصادفة الصغيرة بدأ حديث الغرباء؛ ذلك النوع من الأحاديث الذي لا يحتاج إلى مقدمات طويلة، لأن كليكما يعرف أنه قد لا يرى الآخر مرة ثانية، فتسقط كثير من الحواجز التي نصنعها عادة مع الذين نعرفهم.
أفن في الستينيات من عمره، يعمل في صناعة المجوهرات.
وبعد دقائق قليلة من الحديث، انتقلنا من المجاملات القصيرة إلى الحياة الواقعية.
أخبرني أنه فقد زوجته قبل خمسة عشر عامًا بعد صراع مع السرطان.
كانت تلك الحادثة، كما قال، نقطة تحوّل كبرى في حياته.
لم يتزوج بعدها، واختار أن يعيد ترتيب علاقته بالعمر والزمن.
قرر أن يمنح ما تبقى من حياته للسفر، والاستمتاع بالعالم، والعمل الخيري.
كان يتحدث بهدوء رجل تصالح، على ما يبدو، مع خساراته.
قال إنه يتحدث نحو ثماني لغات بدرجات متفاوتة، ومن بينها الإندونيسية والتايلندية.
ولم يتعلم بعضها للسياحة وحدها؛ فهو يسافر إلى دول آسيوية، ويسهم في مساعدة أسر الأطفال الفقراء والمحتاجين هناك.
فكرت وأنا أستمع إليه أن بعض الناس لا يتجاوزون أحزانهم بالنسيان، وإنما بتحويلها إلى شيء آخر: سفر، معرفة، عطاء، أو سبب جديد للاستمرار.
وحين سألته عن علاقته ببراغ، تغيرت نبرة صوته قليلًا.
لم يكن سائحًا عاديًا. كانت له ذاكرة هنا.
أخبرني أنه عاش في المدينة عامين من شبابه، عندما جاء ليدرس صناعة المجوهرات.
ولهذا يعود إليها كلما استطاع.
له فيها أصدقاء، ويرى أن براغ، بجمال عمارتها وفنونها وموسيقاها وثقافتها، كانت المكان المثالي لتعلّم مهنة تحتاج إلى قدر كبير من الحس الجمالي والدقة والذوق.
ربط الرجل بين المدينة والمهنة بطريقة أعجبتني.
فالجواهري، في النهاية، لا يتعامل مع المعدن والحجر وحدهما؛ إنه يبحث عن الجمال المختبئ فيهما، ثم يحاول إخراجه إلى الضوء.
وربما لهذا أحب أفن براغ؛ مدينة تفعل الشيء نفسه مع التاريخ، تأخذ قرونًا من الحجر والحكايات، وتعيد تقديمها للناس في هيئة جمال.
طال الحديث أكثر مما توقعت، ونسي كل منا، لبعض الوقت، أنه جلس إلى الطاولة مع شخص لا يعرفه.
ثم جاءت لحظة الوداع.
قال إنه سيغادر في اليوم التالي بالقطار إلى براتيسلافا (عاصمة سلوفاكيا).
تصافحنا، وتمنّى لي إقامة جميلة في براغ، وتمنيت له رحلة آمنة وحياة تواصل منحه ما يبحث عنه من سفر ومعنى.
غادر كل منا في اتجاه.
عدت إلى المشي، نحو ساحة فاتسلاف الشهيرة.
كانت أكثر ازدحامًا مما رأيتها قبل ساعات؛ سياح من جنسيات مختلفة، لغات تتقاطع في الهواء، كاميرات وهواتف ووجوه مسرعة، ومدينة تمضي في مساء صيفي مزدحم كأنها لا تنام.
وسط ذلك الحشد، ظل أفن حاضرًا في ذهني.
جئت إلى براغ أبحث عن المدينة التي قرأت عنها؛ مدينة كافكا وهافل، الأبراج والقلعة والساحات القديمة.
لكن يومي الأول منحني حكاية لم تكن موجودة في أي دليل سياحي: رجل سلوفاكي ستيني، جواهري، فقد زوجته، فقرر أن يواجه ما تبقى من العمر بالسفر والعطاء وتعلّم لغات الآخرين.
وهكذا ذكّرتني براغ، منذ اليوم الأول، بحقيقة أحبها في السفر: المدن لا نكتشفها في مبانيها وحدها، وإنما في البشر الذين تضعهم المصادفة في طريقنا.
وأجمل حكايات السفر هي تلك التي لم نخطط لها أصلًا.



