بقلم / جمال حمدان
عندما تشاهد مسلسل ( صيام صيام ) وهو مسلسل تم إنتاجه في عام 1980 ومن بطولة نخبة من نجوم الصف الأول ومن الشباب الواعد آنذاك ، مثل الفنانين يوسف وهبي ويحي الفخراني وعبدالرحمن أبو زهرة وصلاح السعدني ومريم فخر الدين وفردوس عبد الحميد ، وآخرين من نجوم الدراما الحقيقيين غير المصنوعين، وتشاهد في ذات الوقت مسلسلاً آخر يحمل اسم شهر رمضان الكريم ، تم إنتاجه منذ عدة سنوات وعلى جزئين، واشترك في تمثيله أيضاً نخبة من نجوم الصف الأول الحاليين من الفنانين والفنانات ، فإنك وبدون أي جهد ستكتشف الفوارق المُحزنة بل والمُخزية بين ما كان يقدمه الفن من رسالة تدخل كل بيت مصري منذ عدة عقود قليلة ، عندما كانت هناك جهة إنتاجية وإعلامية ، تحرص كقاعدة عامة ، على التدقيق في اختيار كل ما يقدم من نصوص كوجبات فنية على موائد الأسرة المصرية بل والعربية ، لاسيما في أطهر وأشرف الأوقات وهو شهر رمضان ، وبين ما أصبح يُقدم بسهولة من رسائل سلبية للمجتمع المصري عبر الشاشة الصغيرة.
فما بين المسلسلين ( وكل منهما اعتمد على اسم البطل في عنوانه ) مساحة شاسعة وفارق مُرعب ، ففي حين أن مسلسل ( صيام صيام ) تتناول قصته صيام البطل ( يحي الفخراني ) لأول مرة في حياته وبناء على رهان بينه وبين صديقه بشأن قدرته على تحمل مشاق الصيام من عدمه ، واعتقاد البطل أن الصيام هو فقط مجرد امتناع عن الطعام والشراب ، فيجد البطل نفسه وهو يواجه حقيقة الصيام من خلال صديقه وبعض من حوله ، فيصبح التحدي أمامه هو تغيير سلوكياته الخاطئة التي اعتاد عليها ، والتي لا تُناسب الصائم، سلوكيات الكذب والغش والخداع والتدليس والتآمر ، وغيرها من السلوكيات والأخلاقيات التي يُكافح البطل من أجل تغييرها لكي يكون صائماً حقاً وصدقاً من ناحية ، ولكي يعتاد على الحياة بسلوكيات وأخلاقيات قويمة ، ومن ثم يعيش المشاهدون في كل حلقة تلك المعاني الأخلاقية والاجتماعية البنّاءة.
وفجأة … ينقلنا الواقع الحالي إلى ما قدمه المسلسل ( الرمضاني الكريم ) المعاصر ، من نماذج لشخصيات من الحارة الشعبية المصرية ، والغريب أنَّ أغلبها الساحق هي شخصيات مُشوَّهة ومُنحرفة الطِّباع والأفعال ، والأغرب أنَّ هذه الشخصيات لا تتورع خلال الشهر الكريم عن ارتكاب كافة الموبقات والمعاصي، وللأسف الشديد يُقدم للأطفال والنش والشباب نماذج لرجال يستحلون الإفطار دون أي عذر ويستحلون الرشوة والنصب ويستحلون أكل وفعل الحرام ، وكذلك نماذج لنساءٍ تستحل الأفعال التي لا تتناسب مع جلال الشهر الكريم ، والأخطر أن يُقدَّم ذلك في شكل كوميدي لطيف ظريف ، مع التطعيم ببعض النماذج المضيئة التي جائت استثناءً من القاعدة في هذه الحارة المصرية ، وجائت وكأنها ذرٌّ للرماد في العيون ، وكأن ما يراه المُشاهد ويعيش معه يومياً من خلال تلك النماذج ، هو المعتاد في كل الحارات والمناطق الشعبية الأصيلة المصرية ، وإذا كان ذلك حالهم في شهر رمضان الكريم ، فكيف هو حالهم في باقي الشهور! .
وهكذا تكشف لنا المقارنة بين نموذجين من نماذج الدراما ، واللذان قدمهما الإعلام المصري عن حال البيوت المصرية في شهر رمضان الكريم الذي يمثل رمزاً لتعديل وتغيير السلوكيات ، عن نتائج صادمة ومفاجآت غير سعيدة عن ما يُفترَض أن يُقدمه الإعلام – طوال السنة وليس في رمضان فقط – من تنويرٍ وارتقاءٍ بالأخلاق العامة ، ومحاربةٍ للإسفاف وللظواهر السلبية المُخجلة التي تتعارض مع الأخلاق العامة للمجتمع ، والتي لو تملَّكت من أي مجتمع فإنها ولا شك تمثل أشد معاول الهدم التي لن يهدأ لها بالٌ إلّا بتفكيك الأسرة ، وبما ينذر بتفكك المجتمع.
وقد تتفاقم الصدمة ويزيد العَجَب ، إذا ما ألقيتَ نظرةً سريعةً على أغلب الأعمال الدرامية التي تم إنتاجها خلال البضع سنوات الماضية ، وللأسف تحت مظلةٍ إنتاجية تُعد بديلاً لقطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون ومن بعده مدينة الإنتاج الإعلامي ، حيث يكفي فقط مطالعة بعض – إن لم يكن أغلب – أسماء تلك الأعمال ، لنجدها تشير إلى الدنيا وكأنها غابة ، وإلى ضرورة الاحتكام لقانون القوة وليس لقوة القانون ، ناهيك عن انتشار الألفاظ والعبارات وطُرُق الحوار – للرجال والسيدات – التي لا تُناسب عموم البيوت المصرية ، وكذلك انتشار ما يُمكن وصفه بـ ( دراما الكومباوند ) والتي تصور تلك المُجمَّعات السكنية وكأنّها أصبحت هي السكن المُعتاد للأسرة المصرية ، وهو أمر له تأثير خفي غير منظور على حالة الرضا المجتمعي العام ، فضلاً عن التبشير بأفعال البلطجة واستسهال الخروج على القانون.
لقد أصبح معلوماً بالضرورة أنَّ الفن هو إحدى القوى الناعمة ، وأنَه أصبح من أهم عناصر القوة الشاملة للدول ، وكثيراً ما اعتمدت عليه القوى العظمى للتمدد والتأثير بغير القدرات العسكرية أو القوى الخَشنة ، وإذا كان الفن يمثل قوة تأثير خارجي يُمكن توجيهها للخارج ، فإنه يكون من الأجدر لنا ونحن نوجِّهها إلى الداخل ، أن نستخدم تلك القوة لتعزيز الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ، ولدعم اللُّحمة الوطنية ، ولإذكاء وتعزيز القيم العليا للمجتمع وأخلاقياته الوسطية.
أعتقد أن من بيدهم أمر الانتقاء للقصص وللأشخاص في الدراما المصرية ، يُدركون كما يُدرِك كاتب هذه السطور خطورة تأثير الدراما التي تدخل كل بيت بسهولة ، فأرجو أن يكون تأثيرها إيجابياً ، فنحن جميعاً بحاجة إلى ذلك.


