بقلم الإعلامي خالد سالم
لن أشكر الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، على ما يبذله من جهد في ملف ماسبيرو قد يبدو هذا العنوان صادما في البداية، لكنني أقصده تماما لن أشكره.. بل أهنئه لأن ما يقوم به تجاه ماسبيرو يجب ألا ينظر إليه باعتباره إنجازا شخصيا لمسؤول، وإنما باعتباره محاولة جادة لإعادة قضية ماسبيرو إلى مكانها الطبيعي على أجندة الدولة المصرية، بعد سنوات طويلة من تراكم المشكلات والملفات المفتوحة منذ عام 2011.
وأعتقد أن أهم ما تحقق خلال الفترة الأخيرة هو أن قضية ماسبيرو أصبحت مطروحة بصورة أكثر وضوحا أمام القيادة السياسية، بما يتطلبه ذلك من قرارات وحلول تتجاوز قدرة أي إدارة منفردة وهنا تكمن أهمية الدور الذي يقوم به المسلماني فأزمة ماسبيرو لم تكن يوما مجرد أزمة برامج أو قنوات أو أجهزة، وإنما هي أزمة مركبة، تشابكت فيها الملفات الإعلامية والمالية والإدارية والتشريعية، وأصبحت بعض حلولها تحتاج إلى تدخل الدولة وتنسيق عدد كبير من الجهات ولذلك فإن الحديث عن عودة ماسبيرو يجب ألا يكون حديثا عن الماضي، ولا مجرد استعادة أمجاد زمن مضى عودة ماسبيرو الحقيقية تعني بناء ماسبيرو جديد ماسبيرو الذي يحتفظ بتاريخه وهويته ودوره الوطني، ولكنه يمتلك في الوقت نفسه أدوات الإعلام الحديث، ويستطيع أن ينافس على المنصات الرقمية، وينتج محتوى مؤثرا، ويخاطب الشباب، ويقوم بدوره التنموي والتنويري.
ومن هنا تأتي أهمية التحرك في الملفات المالية فمن الصعب أن نتحدث عن إعلام قوي ومستقل في أدائه المهني دون أن تكون لديه استدامة مالية وملف التداخلات المالية والالتزامات بين ماسبيرو وبنك الاستثمار القومي ظل لسنوات أحد الملفات التي تحتاج إلى معالجة وحسم وكذلك ملف معاشات العاملين السابقين في ماسبيرو، وهو ملف إنساني قبل أن يكون ماليا فهؤلاء الذين أمضوا سنوات عمرهم في خدمة الإعلام المصري لا ينبغي أن تتحول سنوات التقاعد بالنسبة لهم إلى رحلة من القلق والانتظار وأيضا يأتي ملف عوائد ماسبيرو المستحقة لدى الجهات المختلفة، وفي مقدمتها مدينة الإنتاج الإعلامي ونايل سات، باعتباره أحد الملفات المهمة في طريق الوصول إلى نموذج مالي أكثر استقرارا ماسبيرو لا يحتاج فقط إلى أموال تنفق عليه، وإنما يحتاج إلى منظومة تمكنه من توليد موارده واستثمارها في تطويره وهذه نقطة جوهرية يجب ألا نغفلها فإذا كانت الدولة ستدعم ماسبيرو، فيجب أن يكون الدعم نقطة انطلاق نحو الاستدامة، وليس مجرد تمويل مستمر لعجز يتكرر كل عام نحن نريد ماسبيرو قادرا على إنتاج المحتوى الذي يحقق قيمة إعلامية واقتصادية في الوقت نفسه نريد استوديوهات تعمل، وقطاعات إنتاج تعود إلى دورها، وكوادر شابة يتم تدريبها، وحقوقا يتم استثمارها، وأرشيفا ضخما يتم تحويله إلى قيمة اقتصادية وثقافية، ومنصات رقمية تستفيد من هذا التراث الهائل.
وهنا أعود إلى أحمد المسلماني لن أشكره لأنني أرى أن ما فعله حتى الآن هو بداية الطريق، وليس نهايته هذه ليست مجاملة لشخص، وإنما موقف من أجل مؤسسة وأنا، كأحد أبناء الإعلام المصري، لا يهمني أن يحسب نجاح ماسبيرو لشخص بعينه ما يهمني أن ينجح ماسبيرو نفسه فهذا المبنى الذي كان يوما قلب الإعلام المصري، والذي خرجت منه أجيال من المذيعين والمخرجين والمصورين والمعدين والفنيين والكتاب، يستحق أن يستعيد مكانته ولا يمكن أن نختزل ماسبيرو في مبنى على كورنيش النيل ماسبيرو هو خبرة بشرية، وذاكرة وطن، وأرشيف، ومدارس إعلامية، وتاريخ طويل من التأثير في المجتمع المصري والعربي.
ولهذا فإن أي خطوة جادة لإصلاحه يجب أن تلقى الدعم، ولكن في الوقت نفسه يجب أن تظل تحت عين النقد والمتابعة وأعتقد أن طرح ملفات ماسبيرو أمام القيادة السياسية يمثل فرصة تاريخية يجب استثمارها جيدا فالقيادة السياسية عندما تتدخل لحل ملف بهذا الحجم، فإن الرسالة واضحة: ماسبيرو ما زال جزءا من منظومة الدولة الإعلامية، وله دور مطلوب في المرحلة المقبلة لكن الرسالة وحدها لا تكفي المطلوب الآن هو تحويل الدعم السياسي إلى خطة تنفيذية واضحة، لها جدول زمني، وأولويات، ومؤشرات قياس، ومحاسبة على النتائج ملف بعد ملف ومشكلة بعد مشكلة حتى نصل إلى اليوم الذي نقول فيه إن معظم الملفات التي ظلت عالقة منذ 2011 أصبحت جزءا من الماضي وأنا متفائل بأن هذا اليوم ليس بعيدا لذلك أقول لأحمد المسلماني: لن أشكرك.. ولكنني أهنئك على السعي وأتمنى ألا يتوقف هذا السعي حتى تكتمل الصورة وأقول لكل أبناء ماسبيرو: لا تكتفوا بالتصفيق لأي مسؤول، ولا تجعلوا الحنين إلى الماضي بديلا عن التفكير في المستقبل ساندوا الإصلاح، وانتقدوا الأخطاء، واقترحوا الحلول، وتمسكوا بحق ماسبيرو في أن يكون مؤسسة إعلامية قوية وحديثة فالمعركة الحقيقية ليست من أجل عودة ماسبيرو كما كان المعركة من أجل أن يصبح ماسبيرو أفضل مما كان وهذه هي العودة التي ننتظرها.
خالد سالم إعلامي ومخرج تلفزيوني



