في شوارع وسط البلد، لا تمرّ أمام بائعي الكتب مروراً عابراً؛ فالرصيف هناك ليس مجرد مساحة للمشي، بل هو معرضٌ مفتوح لذاكرة المدينة وثقافتها، يُقيم فيه الكتاب حواراً حياً ومستمراً مع عيون العابرين.
وفي شارع شريف الشاهد علي تاريخ عريض وعريق، تتزاحم عناوين العمالقة وتفوح رائحة الورق والمجالسة الفكرية، سأقف دائماً عند مشهدٍ يحمل في طياته الكثير من الامتنان والفخر.
على رفٍّ واحد يجمع أساطير الأدب والفكر، تجاور كتابات الصديقة الكاتبة د. سحر الحسيني كبار القمم؛ فتجد كتابيها «عوالِم مي زيادة الخفية» وباكورة أعمالها القصصية «ليس كُل الخبزِ يُشتهى» يقفان شامخان الي جوار ملحمة تولستوي «الحرب والسلام»، وروائع دوستويفسكي في «الإخوة كارامازوف»، وسحر المنفلوطي في صياغته لرواية «ماجدولين».
إن الوقوف أمام هذا الجمع الأدبي على الرصيف يتجاوز الشكل الظاهري؛ فهو يختزل تجربة أديبة تعشقها الحروف وتتأهب لها أبجدية الثمانية والعشرون، لتنساب تحت أناملها في أبهى زي بتأنق وجاذبية لا تعرف الابتذال.
تجربةٌ تقوم على ذكاء يستولي على القلب والعقل والحس والذهن ،حس مرهفا وذهنا عنيد يلتقط الأشياء في ذروة حيويتها، واحترامٍ متبادل مع اللغة؛ فلا الأبجدية كفّت عن عشقها، ولا سحر الحسيني خانتها بالكتابة عن لا شيء لمجرد المجاملة، او بما لا يليق بها بل وظفتها بذائقة وجدانية ثرية تروض مشاعر النفس البشرية وترتقي بها.
في باكورة أعمالها «ليس كُل الخبزِ يُشتهى»، والتي تضم ثلاث عشرة قصة، نلمس حارسةً للإحساس تعرف كيف تحاكي الآلام وتحيلها إلى قصص إنسانية تحارب القبح بالجمال وتحض على الرحمة والحب.
إنه حبلٌ سريٌّ ينبض برائحة الغياب، ما بين أحلامٍ لم تكتمل ودفءٍ مفقود؛ ليتجلى الأدب هنا كطبيب أرواح ماهر، يضمد جراح كل من آلمه شيءٌ ما ليطمئن بين دفتي كتاب.
أما في كتابها الثاني «عوالِم مي زيادة الخفية»، فتظهر قدرة الكاتبة على منح حياة منصفة لإنسانةٍ رحلت عن عالمنا، لكنها تجلس اليوم أمامنا بنبضات حية.
عبر نصٍ يمزج بين السيناريو الأدبي والتحليل النفسي، تُواجه بطلة النص “ليل الجرواني” — والتي تمثل المعادل الدرامي والصوت الوجداني للكاتبة سحر الحسيني — أديبة الشرق “مي زيادة” في مشاهد فريدة؛ فتذيب وتفكك نسيج مشاعرها المختبئة لتلملم شتات روحها بأريحية صريحة، مغلفة بالنقاء والحنين في آن واحد، بعيداً عن السرد السيري النمطي أو التمجيد المتكرر.
إنها تجربة تحمل أسئلة جيل كامل تجاه من سبق وتجاه الذات؛ بأسلوب حواري سينمائي مشهدي، ولغة فصحى هادئة ومحمّلة بالإيحاءات دون تصنع، يدور النص داخل غرفة الذاكرة والعزلة؛ ليُضيء طبقات الذات ويُسائل “مي” بلطف وصدق، مُقدماً إياها كإنسانة حيّة متغيرة لا كرمزٍ صلبٍ أو قوالبَ محفوظة.
أن ترى هاتين التجربتين ،الباكورة القصصية المُعالِجة للروح، والاخر المتمرد على النمط التقليدي ،تجدان مكانهما المستحق وسط قمم الأدب الإنساني لتلتقيا بـ عيون العابرين على أحد أعرق أرصفة القاهرة الثقافية، لهو برهانٌ حقيقي على أن الكلمة الصادقة تفرض حضورها دائمًا، وأن للشارع ذائقته الأصيلة التي احتضنت وما زالت تختص أثرًا لصديق وتمنحه نبض الحياة، ليظل الفكر الحقيقي عصياً على النسيان.


