تمثل محاولات النيل من استقرار مصر ركيزة أساسية في استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين، والتي انتقلت في السنوات الأخيرة من المواجهة الميدانية إلى منصات تزييف الوعي الرقمي.
ومع إعلان وزارة الداخلية المصرية عن رصد شبكات إعلامية غير مرخصة تدار من الخارج وتستهدف بث الأخبار المغلوطة وتحريف الحقائق، جاءت التسجيلات الصوتية الأربعة المذاعة مؤخراً لتسلط الضوء على آليات التنسيق الداخلي والروابط الهيكلية الدقيقة التي تجمع بين الوجوه البارزة في الفضاء الرقمي والقيادات التاريخية للجماعة.
وشكلت هذه التسجيلات المسربة التي أذاعها الصحفى عبد الرحيم علي خلال مشاركته في برنامج «الحكاية» على شاشة MBC مصر نقطة تحول محورية في فهم كواليس إدارة المنصات الإلكترونية، حيث كشفت خيوط الاتصال المباشر والتنسيق السري بين مؤسس منصة “متصدقش” عبد الرحمن منصور ونائب المرشد العام للجماعة خيرت الشاطر.
هذا الارتباط الهيكلي والتاريخي يثبت بوضوح أن النشاط الإعلامي لهذه المنصات لم يكن مجرد مبادرة شبابية مستقلة أو عملاً مهنياً كما رُوج له لسنوات، بل أداة تنفيذية خاضعة لإشراف مباشر وضمن خطط الجماعة الممنهجة الساعية لزعزعة استقرار الدولة وتكدير السلم العام.
وفضحت المراسلات والمكالمات الصوتية حجم النفوذ الواسع الذي حظي به عبد الرحمن منصور داخل الأروقة القيادية والتنظيمية للجماعة، حيث اعتبرته القيادات بمثابة “رمز إعلامي” وأحد عناصر القوة الناعمة التي يمكن الاعتماد عليها لاختراق الأوساط الشبابية وتوجيه الرأي العام بما يخدم توجهات التنظيم الدولي.
وتجاوزت أدوار منصور العمل الإعلامي التقليدي لتشمل التدخل المباشر والوساطة لربط خيوط التواصل بين قيادات الجماعة وصحفيين وشخصيات عامة، لتوظيفهم في مسارات تخدم الغايات السياسية للتنظيم.
وتزامن الكشف عن هذه التسجيلات مع إعلان الأجهزة الأمنية عن تتبع وضبط لجنة إعلامية تابعة للجماعة تنشط تحت لافتة منصة إلكترونية، حيث أسفرت التحقيقات عن تتبع إدارة الفضاء الرقمي لهذه المنصة من قِبل عناصر هاربة خارج البلاد، والاعتماد على خلايا داخلية تتولى فبركة وتحريف الأخبار المحلية مقابل مبالغ مالية ودعم لوجستي، وتم إلقاء القبض على المتورطين وإحالتهم إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات القانونية.
وتكشف هذه الواقعة الأبعاد الخفية لاستراتيجية التضليل التي يعتمدها التنظيم، والتي تقوم على أسلوب “بث السم في العسل” عبر استغلال شعارات موضوعية براقة مثل “تدقيق الحقائق” أو “الدفاع عن الحريات” كواجهة مستعارة لتمرير أجندات تهدف لصناعة اليأس العام، وتضخيم الجوانب السلبية، والتشكيك الممنهج في كافة إنجازات الدولة.
إن الكشف عن هذه التسجيلات لا يمثل مجرد نجاح أمني في تتبع الخلايا الإلكترونية وتفكيك التمويل العابر للحدود، بل يمثل تعرية كاملة للمنهجية الفكرية التي تتبعها الجماعة لإيجاد ثغرات في جدار الأمن القومي المصري، مما يؤكد أن الوعي المجتمعي واليقظة في استقاء المعلومات هما الحصن الأساسي لإحباط هذه المخططات والحفاظ على مناخ الأمن والاستقرار الذي تشهده البلاد.


