في غمار المعارك الرقمية وحروب الجيل الخامس الكثيفة التي تحيط بنا، يقف أبناء الجماعة الصحفية اليوم أمام تساؤلات ملحة لا تملك ترف التجاهل أو غض الطرف عنها، تساؤلات تفرضها طبيعة المشهد الإعلامي المريب المحيط ببعض المنصات والمبادرات التي ترفع شعارات براقة تخفي وراءها ما وراءها.
ليس غريباً أن نتأمل بعين الفحص والتدقيق ذلك الاهتمام المبالغ فيه، والاحتفاء غير المبرر الذي تحظى به قضية منصة مثل “متصدقش” من قِبل وكالات أنباء عالمية وصحف دولية كبرى بحجم “أسوشيتد برس” ورويترز ولوموند، وبالتأكيد هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.
هذا الدعم العابر للحدود والتركيز المتواصل يضعنا كصحفيين في مواجهة حتمية مع تفاصيل المشهد، ويدفعنا للبحث عن السر الكامن وراء هذا التبني الدولي المكثف لمنصة محلية، وهو اهتمام لا يتحرك في عالم السياسة والإعلام الغربي دون أثمان أو أجندات مرسومة بدقة.
إن علامات الاستفهام تتزايد وتكتسب أبعاداً أكثر عمقاً حين نلتفت إلى الأسلوب التشغيلي لهذه المنصة، فكل مادة تنشرها تقريباً تخرج للعلن مرفقة بترجمة فورية ومحترفة للغاية، ترجمة صاغتها عقول بشرية متمرسة وبلغة سياسية وإعلامية رفيعة المستوى، بعيدة كل البعد عن ركاكة الترجمات الآلية المجانية.
وهنا يثور السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بقوة داخل أروقة نقابة الصحفيين وبين كل الغيورين على هذا الوطن: مَن الذي تستهدفه هذه المنصة بتلك الرسائل المترجمة بعناية فائقة؟ ولمن تُرفع التقارير المكتوبة بصياغات دولية محكمة؟
إن مخاطبة الخارج بلغة يفهمها وبتوقيتات مدروسة، لا يمكن تصنيفه كجهد صحفي بريء موجه للقارئ المحلي، بل هو أقرب إلى آلية تدويل ممنهجة، وصناعة واجهة إعلامية تتغذى على إثارة الجدل ومخاطبة الدوائر الغربية لاستدعاء ضغوط أو تحقيق مآرب تتجاوز حدود العمل المهني المتعارف عليه.
أمام هذه الحقائق والظواهر الإعلامية المصنوعة، يصل بنا النقاش الصحفي والوطني إلى السؤال الأكثر أهمية والذي يمثل حجر الزاوية في ضمير كل كاتب ومحرر شريف: ما هو الأهم والأبقى لنا؛ أهو أمن بلدنا واستقرارها وسلامة مجتمعنا، أم الاندفاع وراء هتافات وشعارات وتدفقات مالية أو سياسية مشبوهة؟
الإجابة عن هذا التساؤل لا تحتمل الرمادية ولا تقبل القسمة على اثنين، وهي حاضرة بقوة في وجدان الجماعة الصحفية الحقيقية التي نشأت على مبادئ الوطنية الصادقة.
نحن كصحفيين، مفروض ومحتم علينا، بحكم مهنتنا وبحكم انتمائنا لهذه الأرض، أن نكون خط الدفاع الأول عن هذا الوطن، نحبه بصدق ونخاف على مستقبله، ولا نتاجر بقضاياه في سوق المزايدات الدولية، ولا نتحول إلى أبواق تردد شعارات جوفاء مدفوعة الأجر من جهات لا تريد الخير لمصر وأهلها.



