بقلم الإعلامي: خالد سالم
لم يعد الإعلام يسكن الاستوديوهات الفخمة وحدها، ولا المطابع الضخمة، ولا أبراج البث.
لقد انتقل في صمتٍ إلى مكانٍ أصغر وأخطر: شاشة هاتفٍ تستقر في كفّ المواطن، يفتحها قبل أن يفتح عينيه تمامًا في الصباح، ويغلقها بعد أن يغلبه النعاس في الليل.
هناك، في الفضاء الإلكتروني، يتشكّل الرأي العام، وتُصنع النجومية، وتُبنى السمعة وتُهدم في ساعات.
وإن كنا نتحدث اليوم عن «مستقبل» الإعلام، فإننا في الحقيقة نتحدث عن حاضره؛ فالمستقبل وصل بالفعل، ولم ينتظر أحدًا منا.
الشبكة العنكبوتية.. ميدان الإعلام الجديد
لم تعد الشبكة العنكبوتية مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل صارت ميدانًا عامًا مفتوحًا على مدار الساعة، تتجاور فيه المواقع الإخبارية والمنصات الاجتماعية والبث المباشر والبودكاست والمحتوى المرئي القصير.
وجمهورها لا ينتظر نشرة الثامنة ولا عدد الغد؛ يريد الخبر لحظة وقوعه، ويشارك فيه، ويعلّق عليه، ويصنعه أحيانًا.
وهذا التحول يفرض علينا أن نتعامل مع الإعلام الإلكتروني بما يستحقه من جدية: لا كملحقٍ ثانوي للإعلام التقليدي، ولا كمنافسٍ نخشاه، بل كشريكٍ أصيل ومسارٍ رئيسي لا مستقبل لأي مؤسسة إعلامية بدونه.
ولا بد أن يمتد هذا الاهتمام إلى كافة الأصعدة: المحتوى، والتقنية، والإدارة، والتمويل، والتشريع.
حاجتنا إلى إعادة التنظيم
الحقيقة أن الفضاء الإلكتروني يعيش اليوم حالة من الازدحام الفوضوي.
مواقع تتناسل بلا ضوابط، وحسابات تنتحل صفة الإعلام وهي لا تعرف من مهنته إلا اسمها، وأخبار تُطلق قبل أن تُتحقق، وشائعات تسبق الحقيقة بأميال.
وفي هذه الفوضى يضيع المحتوى الجاد، ويُظلم الإعلامي الملتزم الذي يدفع ثمن مصداقيته، بينما يربح المتهوّر ثمن الإثارة.
ومن ثم فإن إعادة تنظيم هذا المجال لم تعد ترفًا، بل ضرورة وطنية ومهنية؛ تنظيمٌ يفرّق بين المؤسسة الإعلامية والصفحة العابرة، وبين الصحفي والناقل، وبين المعلومة الموثقة والمنشور المنسوب إلى «مصدر مطّلع»، ويضع معايير واضحة للترخيص والمسؤولية والشفافية في الملكية والتمويل.
تهذيب المهنة وتأهيل العاملين
التقنية وحدها لا تصنع إعلامًا.
فالكاميرا الأحدث والمنصة الأسرع لا تُغنيان عن ضميرٍ مهني، وثقافةٍ واسعة، ولغةٍ سليمة.
ولذلك يجب أن يكون الاستثمار الأول في الإنسان.
إن العاملين في الإعلام الإلكتروني بحاجة إلى تدريبٍ مستمر يجمع بين مهارات العصر وأخلاقيات المهنة: التحقق من المصادر، وكشف الأخبار الزائفة والصور المفبركة، وإتقان الكتابة للمنصات الرقمية دون التفريط في سلامة اللغة، وفهم البيانات وسلوك الجمهور، والتعامل الرشيد مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة لا بديلًا عن العقل والتحرير.
ويجب أن يكون هذا التأهيل جزءًا من منظومة واضحة تشرف عليها النقابات والمؤسسات الإعلامية والأكاديمية، لا اجتهاداتٍ فردية متفرقة.
أما التهذيب فمعناه أيضًا استعادة قيم المهنة: الدقة قبل السبق، والاحترام قبل الجذب، والرسالة قبل عدد المشاهدات.
فالرقم الكبير لا يصنع قيمة، و«الترند» لا يمنح صاحبه شرف الكلمة.
الدارسون.. صُنّاع الغد
وإذا كان العاملون اليوم بحاجة إلى التأهيل، فإن دارسي الإعلام أحقّ بالعناية، لأنهم من سيحملون الراية غدًا.
ولا يجوز أن تظل بعض مناهجنا الأكاديمية حبيسة نظرياتٍ تجاوزها الزمن، بينما الواقع المهني يتغير كل يوم.
نحن بحاجة إلى مناهج تربط الدارس بالمنصات الرقمية منذ سنته الأولى، وتدرّبه عمليًا على الإنتاج والتحرير الرقمي، وتفتح أمامه أبواب التدريب الحقيقي داخل المؤسسات، وتغرس فيه أخلاقيات المهنة وقواعد القانون قبل أن يتخرج، لا بعد أن يقع في أول مخالفة.
الجانب القانوني.. حماية للمهنة والمجتمع
وهنا نصل إلى الجانب الذي لا يمكن تجاهله: التشريع.
فالتطور المتسارع في الفضاء الإلكتروني يسبق في كثير من الأحيان النصوص القانونية، فتبقى مساحاتٌ رمادية يتسلل منها التشهير، وانتهاك الخصوصية، والتعدي على الملكية الفكرية، وترويج الأخبار الكاذبة، ويقع فيها أيضًا ظلمٌ للإعلامي الجاد الذي لا يجد سندًا قانونيًا واضحًا يحميه.
والمطلوب منظومة تشريعية متوازنة تتكامل فيها قوانين تنظيم الصحافة والإعلام، ومكافحة جرائم تقنية المعلومات، وحماية البيانات الشخصية، وحقوق الملكية الفكرية؛ منظومة تحمي المجتمع من الانفلات، وتحمي الإعلامي من التعسف، وتصون حرية الرأي والتعبير في إطار المسؤولية.
فالقانون الذي يقيّد بلا ميزان يخنق، والفراغ الذي يُترك بلا قانون يُفسد، والحكمة في التوازن بينهما.
وإلى جانب النصوص، لا بد من وعيٍ قانوني لدى الإعلاميين والدارسين، يعرّفهم بحقوقهم وحدود مسؤولياتهم، فلا يقع أحدٌ في المحظور وهو جاهل به.
كلمة أخيرة
إن الفضاء الإلكتروني لن ينتظر من يتردد في دخوله. فإما أن يكون منصةً لإعلامٍ راقٍ يخدم الوطن ويبني الوعي، وإما ساحةً مفتوحة لمن لا يُحسن إلا الضجيج.
والفارق بين الأمرين يُصنع اليوم: بتنظيمٍ محكم، وتأهيلٍ حقيقي، وتشريعٍ عادل، ووعيٍ مهني يقظ.
فلنهتم بإعلامنا الإلكتروني كما اهتممنا بإذاعتنا وتلفزيوننا في زمنهما الذهبي، ولنتذكر أن المنبر الذي نصنعه اليوم هو الذي سيحدّد غدًا كيف يرانا العالم، وكيف نرى أنفسنا.



