لم تكن معركة الدكتور مراد وهبة مع الأصولية معركة خطابة أو استعراض شجاعةٍ لفظية، بل كانت معركة أخطر بكثير: معركة على العقل نفسه.
والأصولية، بطبيعتها، لا تخشى السِّباب، لكنها ترتعب من السؤال، وتنهار أمام المنطق، وتفقد سحرها لحظة يُرفع عنها قناع القداسة.
مراد وهبة فعل ذلك بهدوء قاتل.
(1) الأصولية كما رآها: ليست دينًا… بل اغتيالًا للعقلكشف مراد وهبة أن الأصولية مشروع سياسي–اجتماعي يقوم على تعطيل العقل.
هي ليست دفاعًا عن النص، بل استخدامًا انتقائيًا للنص من أجل:
• فرض الطاعة
• إلغاء النقد
• وتحويل الإنسان إلى تابعٍ خائف لا يفكّر.
ولهذا كانت الأصولية عدوّه؛ لأنه قال ما لا تريد سماعه:
• لا قداسة لفكرة، ولا حصانة لرأي، ولا عصمة لعقلٍ توقّف عن التفكير.بهذه الجملة تسقط إمبراطوريات الوعظ الزائف.
(2) لماذا كان مراد وهبة خطرًا حقيقيًا؟
• لأنه لم يهاجم الأصولية من الخارج، بل فكّك بنيتها من الداخل.
• كشف كيف تتحول اللغة الدينية إلى أداة تضليل،
• وكيف يُستدعى الماضي ليلغى الحاضر،
• وكيف يُجرَّم السؤال باسم “الثوابت”.
وعلّم الناس أن يسألوا:
من قال؟ ولماذا؟ ولصالح من؟وهذه الأسئلة، في مجتمعات تحكمها الأصولية، تُعدّ جرائم فكرية.
(3) التنوير عنده: سحب السلاح لا كسر الرؤوسلم يحارب مراد وهبة الأصوليَّ كفرد، بل حارب الذهنية الأصولية: ذهنية تكره التعقيد، وتعشق الإجابات الجاهزة، وتعدّ الشك خيانة، والتفكير مؤامرة.
لذلك أعاد الفلسفة إلى مكانها الطبيعي:
• ليست ترفًا نخبويًا، بل ضرورة اجتماعية.
• حين يتعلم التلميذ التفكير يسقط الشيخ الزائف.
• وحين يفهم المواطن المنطق يفشل خطاب التخويف.
• وحين تصبح الحرية العقلية قيمة، تنهار دولة الوصاية.
(4) لماذا لم يُكرَّم ولم يُحتفَ به كما يستحق؟
• لأن المجتمعات التي تهيمن عليها الأصولية لا تكرّم من يفضحها
• بل تحتفي بمن يسايرها أو يجمّلها أو يتعايش معها.
أما من يعلّم الناس كيف يرون عُريها الفكري فيُهمَّش ويُصنَّف ويُتجاهل.
لكن التهميش هنا ليس هزيمة، بل دليل إدانة للواقع المتخلّف.
(5) مراد وهبة والحداثة
• كسر القفص لا تغيير الزينة.
لم يقدّم الحداثة كحزمةٍ مستوردة، بل كفعل تحرّر:
• تحرّر من الخوف
• تحرّر من السمع والطاعة
• تحرّر من عقلية القطيع.
قال بوضوح ما يهرب منه كثيرون:
• لا يمكن التوفيق بين عقلٍ نقدي والأصولية،لأن الأصولية لا تعيش إلا في الظلام.
الخلاصة الصادمة
• مراد وهبة لم يكن مفكرًا عابرًا
• كان ثقبًا في جدار التخلف.
• لم يصرخ، لكنه علّم الناس كيف يرون.
ولمن اعتاد أن يحكم بالعتمة، فإن مَن يشعل شمعة واحدة أخطر من ألف عدوّ.
لهذا سيبقى مراد وهبة حيًّا، طالما هناك عقل يرفض الوصاية، وسؤال يرفض أن يُغلق، وإنسان يصرّ على أن يفكّر بنفسه.


