بقلم: خالد سالم
بدأت القصة بهدية من صديق، هدية لم أكن أتوقع أنها ستغير روتين حياتي اليومي بهذا الشكل.
عشرة بطات من نوع مولر الفرنساوي، تلك السلالة الشهيرة بلحمها الطيب وحجمها الجيد.
نظرت إليها وهي في صندوقها الصغير، صغيرة وناعمة، ولم أدرك حينها أن رحلة طويلة من التعلم والصبر على وشك البدء.
البداية فوق السطوح كانت الخطوة الأولى هي إيجاد مكان مناسب لهذه الكائنات الصغيرة.
اخترت سطح المنزل، حيث الهواء النقي وأشعة الشمس.
بدأت في تجهيز المكان، صنعت لهم حظيرة بسيطة تحميهم من البرد ليلاً ومن حرارة الشمس نهاراً.
كل يوم كنت أصعد السلالم عدة مرات، أتفقدهم، أطمئن عليهم، أراقب نموهم.
عالم جديد من المسؤولياتمع مرور الأيام، اكتشفت أن تربية البط ليست بالأمر الهين.
هناك الطعام الذي يجب توفيره يومياً، والماء النظيف الذي يجب تغييره باستمرار، والنظافة التي لا تنتهي.
البط كائنات تحب الماء واللعب فيه، مما يعني أن مكانهم يتسخ بسرعة ويحتاج إلى تنظيف دائم.
أما مسألة العلف، فقد كانت تحدياً بحد ذاتها.
الأعلاف الجاهزة باهظة الثمن، فبدأت رحلة البحث عن البدائل.
كنت أذهب إلى الخضري بانتظام، أجمع بقايا الخضروات والمخلفات الزراعية، أحضر أشوال من هذه المخلفات، أمزجها بحبوب أخرى لأصنع علفاً مغذياً ومتوازناً.
علاقة خاصة: أنا والطابور العجيبومع كل صباح، كنت ألاحظ شيئاً عجيباً يحدث.
البطات بدأت تعاملني وكأنني أمهم المسؤولة عنهم. عندما أصعد إلى السطح، تهرول نحوي العشرة جميعاً في حماس، ثم ما إن أبدأ بالمشي حتى ينتظموا خلفي في طابور منضبط، واحدة تلو الأخرى، يتبعونني أينما ذهبت.
كان منظراً يبعث على الابتسام والدهشة في آن واحد.
أمشي وهم خلفي، وكأننا في موكب صغير فوق السطح.
وما يزيد المشهد جمالاً هو ذلك العزف الفريد من أصواتهم الصداحة، كواك كواك كواك، بنغمات مختلفة، وكأنها أوركسترا صغيرة تعزف سيمفونية الصباح.
كانت أصواتهم تملأ المكان، تصل إلى الجيران، فيبتسمون ويعلقون على “فرقة خالد الموسيقية”.
الأيام تمر والبط يكبر مع كل صباح، كنت ألاحظ الفرق.
الزغب الناعم بدأ يتحول إلى ريش قوي، الحجم يزداد تدريجياً، والأصوات تصبح أعلى وأكثر حماساً.
كانت هناك لحظات من المتعة الحقيقية، عندما أراقبهم وهم يلعبون في حوض الماء، أو عندما يركضون نحوي عند رؤيتي وكأنهم ينادونني.
أصبحت جزءاً من يومهم وأصبحوا جزءاً من يومي.
تلك العلاقة البسيطة والصادقة التي تربطني بهم كانت تمنحني شعوراً بالسلام الداخلي.
في عالم مليء بالتعقيدات، كانت بساطة هذه العلاقة تعيدني إلى الفطرة.
لكن كانت هناك أيضاً لحظات من الإرهاق والتساؤل: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ لكن الإجابة كانت دائماً تأتي مع رؤية نموهم الصحي وحيويتهم، ومع صوت “الكواك كواك” الذي أصبح جزءاً من موسيقى حياتي اليومية.
لحظة الحصاد
جاء اليوم الذي كبرت فيه البطات بما يكفي.
كانت لحظة مختلطة المشاعر، فقد تعلقت بهم بطريقة ما، لكن هذا هو الهدف من التربية في النهاية.
ذهبت بهم إلى الفرارجي، عملية الذبح والتنظيف تمت بحرفية، ثم عدت إلى المنزل.
في اليوم التالي، اشتقت إلى صوت الطابور الصغير الذي كان يتبعني، إلى عزف الأصوات الصداحة التي كانت توقظني كل صباح.
الطعم الذي لا يُنسىعندما بدأت في طبخ البط، كانت رائحة تملأ المطبخ، رائحة مختلفة عن أي دجاج أو لحم اعتدت عليه.
وعندما تذوقت أول قطعة، أدركت أن كل تلك الأيام من التعب والمتابعة والتكاليف كانت تستحق العناء.
لم يكن مجرد طعم بط عادي، كان طعم الجهد والمثابرة، طعم الصبر والعناية، طعم الإنجاز.
كان أحلى طعم بط تذوقته في حياتي، ليس لأنه من سلالة فاخرة فحسب، بل لأنني كنت جزءاً من كل مرحلة من مراحل حياة هذه البطات.
كل قطعة كانت تحمل ذكرى، ذكرى الطابور الصغير، ذكرى الأصوات الصداحة، ذكرى تلك العلاقة الفريدة.
دعوة للتجربة اليوم، وبعد انتهاء هذه التجربة، أجدني أدعو الجميع لتجربة تربية البط.
نعم، الأمر يتطلب جهداً ووقتاً وتكاليف، لكنه يعلمك الصبر والمسؤولية.
يعيدك إلى البساطة والاتصال بالطبيعة. يمنحك شعوراً بالإنجاز عندما ترى ثمرة جهدك.
ستكتشف أيضاً أن هذه الكائنات البسيطة قادرة على منحك الكثير من السعادة والمتعة، بطابورها المنتظم خلفك، بأصواتها التي تملأ المكان بهجة، بنظراتها التي تنتظر منك الرعاية والاهتمام.
تربية البط ليست مجرد هواية أو مشروع صغير، إنها رحلة تعلم.
تتعلم عن دورة الحياة، عن العطاء والصبر، عن قيمة الطعام الذي نأكله.
في زمن أصبح فيه كل شيء جاهزاً وسريعاً، تعيدك هذه التجربة إلى جذور الحياة البسيطة.
فإذا أهداك أحدهم بطات يوماً، لا تتردد.
افتح قلبك وسطحك لهذه التجربة، فقد تكتشف جانباً جديداً من نفسك لم تكن تعرفه، وقد تجد نفسك تبتسم كلما سمعت صوت “كواك كواك” في مكان ما.
خالد سالم..


