لم تعد الحروب في العالم الحديث تُقاس فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل دخلت البشرية مرحلة جديدة من الصراع الصامت والخفي، حيث أصبحت الصحة العامة والبيئة والغذاء أدوات ضغط واستهداف. هذا التحول يعكس إدراك القوى الدولية والإقليمية أن تدمير بنية الدولة عبر ضرب مواردها الحيوية والبشرية يمكن أن يكون أكثر فعالية وأقل تكلفة سياسية من الحرب التقليدية.
في فبراير 2026، أعلنت السلطات اللبنانية أن طائرات إسرائيلية رشّت مبيدات كيميائية (غليفوسات) بتركيزات عالية على أراضٍ زراعية جنوب لبنان، ما تسبب في تهديد التربة، المياه، والغذاء، وأثار مخاوف صحية طويلة المدى للسكان. هذا الفعل لم يكن مجرد استهداف زراعي عادي، بل يُنظر إليه كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى إضعاف الدولة اقتصادياً، وتهديد الأمن الغذائي للسكان، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل القضية نموذجًا صارخًا لـ الحرب البيولوجية/البيئية وربما ليس هذا بجديد ففي بعض النزاعات، تم توثيق حالات تعمد نشر الأمراض المعدية بين السكان المدنيين كوسيلة لإضعاف الخصوم. مثل محاولات نشر فيروس الحصبة أو السل في مناطق النزاع لتقويض المجتمعات المحلية.كذلك شهد العالم حالات استهداف متعمد للموارد الزراعية، مثل رش مواد كيماوية أو تخريب الحقول، كما حصل في لبنان، وفي مناطق نزاع في إفريقيا حيث تم استخدام مبيدات سامة على محاصيل خصوم، ما أدى إلى أزمات غذائية واقتصادية عميقة.
وهناك تقارير تاريخية تشير إلى استخدام البكتيريا أو السموم في النزاعات، مما يعكس تحوّل الحروب التقليدية إلى أدوات خفية للتأثير على الصحة العامة.
الجديد فى الحروب البيولوجية انها لا تقتصر على انتشار الأمراض، بل تشمل تدمير البيئة، والموارد الغذائية، وتأثير الصحة النفسية للأجيال، ورفع تكاليف العلاج وإعادة البناء بدل التنمية. هذا النوع من الحرب يجعل الدولة في حالة استنزاف مستمر، ويخلق ضغطًا استراتيجيًا طويل الأمد على المجتمع المدني دون مواجهة عسكرية مباشرة.
الحروب اليوم لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل بالقدرة على استهداف صحة الإنسان وموارد البيئة والغذاء. لبنان، مع الأحداث الأخيرة، يقدم نموذجًا حيًا لكيفية تحول النزاعات إلى حروب بيولوجية وبيئية صامتة، وهو تحذير لجميع الدول بأن أمنها القومي لم يعد مقصورًا على المفهوم التقليدى بل يشمل حماية البيئة، والصحة العامة، والغذاء، والاقتصاد من كل أشكال الاستهداف المتقدمة



