تحت رعاية وزيرة الثقافة الدكتور جيهان زكى، والدكتور أشرف العزازى الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، عقدت مساء الأحد الموافق 15 فبراير 2026 فعاليات الصالون الثقافي العربي تحت عنوان: «رؤية مستقبلية للثقافة العربية»، وذلك في تمام السادسة مساءً بقاعة المجلس الأعلى للثقافة، بحضور نخبة من المفكرين والأكاديميين والدبلوماسيين، في إطار حرص المجلس على فتح آفاق الحوار حول قضايا الثقافة العربية وتحدياتها الراهنة والمستقبلية، وأدار الصالون الدكتور مصطفى الفقي، الذى قدم الجلسة الافتتاحية بكلمة ترحيبية، وعرضًا لمحاور اللقاء الفكرية، إلى جانب التعريف بالسادة المشاركين وأبرز إسهاماتهم الثقافية والفكرية.
وشهدت الأمسية إلقاء الكلمات الرئيسية بمشاركة كل من: الدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والدبلوماسي العراقي الدكتور حسين الهنداوي؛ الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، والأديب الفلسطيني ناجي الناجي؛ المستشار الثقافي للسفارة الفلسطينية بالقاهرة؛ حيث تناول المتحدثون رؤى تحليلية حول مستقبل الثقافة العربية في ظل التحولات الإقليمية والدولية، ودور المؤسسات الثقافية في تعزيز الهوية، ودعم الإبداع، ومواكبة التطور التكنولوجي والمعرفي، مؤكدين أهمية بناء مشروع ثقافي عربي جامع يستند إلى هويتنا بشكل ملائم للعصر الحاضر.
تحدث الدكتور مصطفى الفقي موضحًا أن الصالون الثقافي العربي سيضم هذه الأمسية كلمات للدكتور عصام شرف، والدكتور حسين الهنداوي، والمستشار ناجي الناجي، تتناول عدة رؤى حول مستقبل الثقافة العربية في ظل التحولات الإقليمية والدولية، ودور المؤسسات الثقافية في تعزيز الهوية، ودعم الإبداع، ومواكبة التطور التكنولوجي والمعرفي، وتسليط الضوء على أهمية بناء مشروع ثقافي عربي شامل يقوم على الهوية والانفتاح على العصر الحديث.
فيما أكد الدكتور عصام شرف أن الرؤية المستقبلية للثقافة العربية يجب أن تقوم على فلسفة التناغم والتكامل، خاصةً في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وأوضح أن المجتمعات القوية لا تُبنى على التطابق، بل على إدارة الاختلاف وتحويله إلى مصدر قوة.
مشيرًا إلى أن التناغم لا يعني التماثل، مستشهدًا بجسم الإنسان الذي تتكامل أعضاؤه المختلفة فى تناغم لتحقيق التوازن ولاستمرارية الحياة.
كما شدد على أن قوة المنطقة العربية تكمن في قدرتها على خلق حالة من التكامل بين مكوناتها الثقافية والحضارية دون طمس الهوية أو خصوصياتها.
وأوضح أن أخطر ما يواجه الحضارات هو الضعف الداخلي ومحو هُويتها من الداخل، معتبرًا هذين العاملين عنصرين أساسيين في حدوث الهزيمة لأي أمة، مهما امتلكت من مقومات مادية كبيرة.
واختتم بالقول إن بناء كتلة حضارية عربية متماسكة، قائم على الاندماج الواعي وصون الهُوية الثقافية، وكذلك هو السبيل لمواجهة التحديات وصناعة تأثير مشترك إقليميًا ودوليًا.
فيما أشار الدكتور حسين الهنداوي إلى أن اللغة العربية تواجه تحديات كبيرة نتيجة مؤثرات سلبية حاولت تقليص دورها في مجالات العلم والثقافة.
ومع ذلك، فإن العرب تمكنوا من حماية لغتهم وتعزيزها، مما أطلق طاقات جديدة من الإبداع والتعاون الفكري بين مختلف المجتمعات العربية.
وأوضح أن الاعتراف بالاختلافات الثقافية والفكرية بين الدول العربية يجب أن يُستثمر لتعزيز التناغم والتكامل، موضحًا أن ذلك التنوع يجب أن يتحول إلى مصدر قوة عبر تفعيل أقصى مستويات التعاون العلمي والثقافي.
وتابع مؤكدًا أن حماية اللغة والهوية الثقافية لا تعني العزلة، بل تتطلب الانفتاح على الثقافات الأخرى مع الحفاظ على الأسس التاريخية والتراثية.
وأكد المستشار ناجي الناجي أن القضية الفلسطينية تمثل اختبارًا حقيقيًا لدور القانون الدولي والعمل الدبلوماسي في حماية الحقوق الإنسانية والثقافية للشعوب.
وأوضح أن التحديات التي تواجه الفلسطينيين لا تقتصر على النزاعات الميدانية فحسب، بل تشمل محاولات طمس الهُوية والتقليل من الأبعاد القانونية والسياسية للحق الفلسطيني، مما يجعل حماية الرواية الفلسطينية وتوثيق الحقائق أمرًا محوريًا.
وأشار إلى أن الفعل الثقافي والفني في قطاع غزة، من تعليم ومسرح وفنون تشكيلية، لم يكن مجرد نشاط إبداعي، بل شكّل أداة قانونية وأخلاقية لإيصال المأساة الفلسطينية إلى العالم، وإبراز الانتهاكات أمام المجتمع الدولي.
وأضاف أن الجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والفعل الثقافي يمثل نهجًا متكاملًا لتعزيز العدالة وحماية الحقوق، مع التأكيد على ضرورة إعادة إنتاج الرواية الفلسطينية بشكل موحد وواضح أمام العالم لضمان تأثير مستدام وفاعلية في السياسات الدولية.
ثم تحدث الدكتور أنور مغيث مشيرًا إلى قدرة المجتمعات العربية على تحويل الاختلاف إلى تكامل، مؤكدًا أن الثقافة العربية تتيح فرصًا أكبر للتكامل بين الشعوب نظرًا لارتباطها بالهوية والقيم الحضارية المشتركة.
وأوضح أن مستقبل الثقافة لا يمكن فصله عن التعليم، كونه العنصر الأول والأساسي، الذي يحدد المناهج والقيم التي تُغرس في الأجيال الجديدة، بما يؤثر على قدرتهم على الإبداع والانفتاح على الجديد.
أما العنصر الثاني، فهو دراسة مسار العالم المعاصر والتطورات المستقبلية، بما يشمل الكثافة السكانية، وتطور المهن، والإمكانات المستقبلية، وكيفية توجيه المعرفة والثقافة لمواكبة هذه التحولات.
وشدد على ضرورة أن تكون التجربة الثقافية العربية متاحة لكل الأجيال في كل البلدان، مع تشجيع اللجان المشتركة والتبادلات الثقافية لتفعيل روح التعاون والتكامل، وتعزيز الانفتاح الفني والإبداعي منذ المراحل الأولى لضمان بناء مجتمع ثقافي قادر على التفاعل والإبداع.
ثم أوضح الدكتور محمد عفيفي أن النظام العالمي الجديد يفرض تحديات كبيرة على منطقتنا، وأن الأزمات المتعددة قد تؤدي إلى صراعات واسعة إذا لم يتم التعامل معها بوعي واستراتيجية.
وأشار إلى ضرورة إعادة تكوين المفاهيم الموضوعية حول المنطقة وهويتها، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية التي تحدد الشروط الدنيا وتعيد تسمية مناطقنا وفق منظور خارجي.
وأوضح أن مصطلح “الوطن العربي” الذي ظهر في منتصف القرن العشرين كان أداة للوحدة القومية، لكنه اليوم يواجه جدلًا واسعًا فيما يخص صلاحيته في ظل التحولات السياسية والاجتماعية، داعيًا إلى النظر للوحدة ليس كحدود سياسية فقط، بل كلغة وثقافة ورصيد حضاري مشترك لتعزيز الانتماء والتنمية.
وشدد على أن مواجهة تحديات عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية والحياة في النظام العالمي الحديث تتطلب مراجعة شاملة لقضايا الهوية، إذ إن أكبر الخسائر التي تكبدها العرب في بعض النزاعات كانت بسبب الانقسامات الداخلية أكثر من الأعداء الخارجيين.
وأكد أن إعادة تقييم مفهوم الهوية العربية وربطه بالثقافة والقيم المشتركة هو السبيل لإعادة الصمود والفعالية في التعامل مع التحولات العالمية.
واختتم بالقول إن التحدي الأكبر هو توحيد الرؤية والاستفادة من الدروس التاريخية لإنتاج استراتيجية متماسكة تجعل من الثقافة والهُوية العربية أدوات قوة لمواجهة المستقبل، وليس مجرد إرث تاريخي بلا تأثير يذكر.
واختُتم الصالون بحوار مفتوح ونقاش عام، شهد تفاعل الحضور عبر طرح الأسئلة وتبادل الرؤى، مما عكس مختلف جوانب المشهد الثقافي والاهتمام بقضايا الهوية والتجديد.
ومن جانبه أكد الدكتورمصطفى الفقى أن الثقافة العربية ليست مجرد إرث تاريخي، بل مشروع حضاري متجدد يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تجمع بين الفكر والإبداع والمؤسسات، لضمان حضور فاعل للثقافة العربية في المستقبل.



