بقلم الإعلامي / خالد سالم
الإذاعة في وجداني ليست مجرد ميكروفون ومذياع، هي رائحة الأستوديوهات القديمة، وصوت المذيع الذي يملأ الفضاء بدفء لا تضاهيه شاشة.
علاقتي بها بدأت قبل أن أعي معنى الكلمات، حين كنت طفلًا صغيرًا يُحمل على كتفَي أمي إلى مبنى الإذاعة المصرية، حيث كان والدي الأديب الكبير محمد السيد سالم — أحد رواد القصة القصيرة وكتابة الدراما الإذاعية — يُسجّل أعماله الخالدة.
كنا نذهب، أمي وأنا، إلى إذاعة صوت العرب في ركن فلسطين، وننتظر الوالد أثناء تسجيل أعماله مع الإعلامي الكبير خليل العيلبوني.
لا يزال صدى تلك الأيام يتردد في أعماقي، وتبقى ذاكرتي متعلقة بتمثيلية “الكنيسة الصامتة” التي كانت تملأ الهواء بأجواء آسرة لا تُنسى.
ومن تلك الأيام البعيدة، ظلت ذاكرتي محتفظة بصورة طريفة لا أملك إلا أن أبتسم كلما استحضرتها: كنا ننتظر الوالد في مكتب الإعلامي الكبير حلمي البلك في غيابه، وكان الصغير خالد يغفو فوق مكتبه الفخم غير آبهٍ بشيء.
وحين عاد صاحب المكتب، لم يُخفِ انزعاجه من هذا الضيف الصغير!
ولم أعلم بتلك القصة إلا حين أخبرتني أمي بها وأنا مخرج تلفزيوني في القناة الأولى، حين أعلنت لها أنني بصدد تصوير سهرة دينية بعنوان “ليلة الرؤيا” مع ذلك الإعلامي القدير نفسه!
وهكذا دارت عجلة الزمن، وصارت بيننا صداقة حقيقية امتدت طويلًا.
امتدت علاقتي بإذاعة صوت العرب عبر أعمال والدي، فالتقيت بعمالقة الإذاعة المصرية: الأستاذان عبد العزيز ويوسف المشري في البرنامج العام، والمخرج الكبير محمد مشعل، والمبدع رمزي مجاهد، والحاجة سكينة — تلك القامات الراسخة التي رسّخت أسس العمل الإذاعي الرفيع.
وكان الوالد — رحمه الله — يسعى دومًا إلى الالتحاق بالتلفزيون، لكن الإذاعة ظلت أمله الأول وملعبه الأثير.
في رحلتي التلفزيونية، لم تنقطع صلتي بالإذاعة يومًا واحدًا.
كانت أستوديوهاتها مسرحًا لبروفات الحفلات الكبرى، حيث التقيت بالعبقري زكريا عامر، مهندس الصوت الاستثنائي الذي حوّل الأصوات إلى لوحات فنية خالدة، وكان معه كبار الفنانين والملحنين.
وكان التلفزيون يضطلع بإنتاج الأغاني الوطنية والدينية في المناسبات القومية الكبرى، تحت إشراف المخرجة الموهوبة أمال عزت، المدير العام للمنوعات، التي كانت مثالًا للقيادة الإبداعية.
وكان صديقي مهندس الصوت أشرف المرسي جزءًا لا يتجزأ من تلك الأيام الجميلة.
أخذتني الأقدار إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث أمضيت ستة عشر عامًا من العطاء المتواصل، وكان التعاون مع إذاعة الشارقة من أعز تجارب تلك المرحلة. وفي رحاب الشارقة، التقيت بالمهندس المبدع صفوت زكي، الذي أشرف على تسجيل الأعمال التلفزيونية والإعلانات بأسلوب احترافي رفيع المستوى، وكانت رحلة ثرية بالتجارب والذكريات.
وحين عدت إلى أرض الكنانة، عادت معي تلك الرابطة الحميمة بالإذاعة. وكانت الإعلامية المتألقة أمل مسعود بوابتي للعودة إلى هذا الفضاء الجميل، فانطلقت رحلة إذاعية حافلة بحفلات أضواء المدينة والمناسبات الوطنية والقومية.
وحين تقاعدت من عملي في التلفزيون، لم أتقاعد من الإبداع.
شرعت في كتابة القصة القصيرة، فكانت كأنني أُكمل مسيرة أبي من حيث انتهى.
ومن بين المتابعين المخلصين لكتاباتي كانت المخرجة الإذاعية الموهوبة دعاء حسنين، التي آمنت بقلمي، وكان ردّ فعلها إيجابيًا، فطلبت مني كتابة فكرة مسلسل إذاعي.
وُلد المسلسل الأول: “سنة أولى رمضان”، بطولة نخبة من نجوم الفن: أحمد التهامي، ومروة عبد المنعم، ونادر أبو الليف، وفتحي سالم.
وقد حقق المسلسل نجاحًا منقطع النظير، وفاق توقعات الجميع، ليُثبت أن الإذاعة لا تزال تملك سحرها الذي لا يُقاوَم.
وعلى إثر هذا النجاح، اتفقنا على عمل جديد لرمضان، فقدّمت فكرة مسلسل “جدو والعيلة في رمضان”، وكانت البطولة لثلّة من أرقى نجوم مصر: الفنانة القديرة عفاف شعيب، والفنان سامح الصريطي، والفنانة ندى بسيوني، وأحمد الرفاعي، وفتحي سالم.
ولا تزال الرحلة الإذاعية مستمرة… رحم الله الوالد الذي أورثنا الفنون الإذاعية، وجعل منا جسرًا بين جيل بنى وجيل يبني.الإعلامي / خالد سالم.



