في أزمنة الحروب، لا تكون المعارك فقط على الأرض، ولا تُحسم النتائج بالسلاح فقط .
هناك جبهة أخرى لا تقل خطورة، جبهة تُدار بالكلمات والصور والزوايا المختارة بعناية… إنها جبهة الإعلام.لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح جزءًا أصيلًا من الصراع.
كل خبر يُصاغ، كل صورة تُنشر، وكل رقم يُعلن، يحمل في داخله رواية، وقد يكون جزءًا من معركة أكبر: معركة السيطرة على وعي المتلقي.
في هذا السياق، يظهر مفهوم “التوجيه” كأداة تبدو في ظاهرها مشروعة.
فالدول، في أوقات الأزمات، تحتاج إلى خطاب يحافظ على تماسكها الداخلي، ويمنع الانهيار المعنوي.
ليس من المنطقي أن تُدار الحروب بلغة باردة أو محايدة تمامًا، بينما الخوف والقلق يهددان استقرار المجتمعات.
لكن المشكلة لا تكمن في التوجيه ذاته، بل في تحوله التدريجي إلى تضليل.
في الحروب، كل طرف يروي القصة بطريقته.
الجميع ضحايا، والجميع منتصرون في رواياتهم الخاصة.
تُبرز الخسائر التي تخدم السردية، وتُخفى أو تُهمّش تلك التي تُضعفها.
قد تتحول صورة واحدة لطفل إلى رمز عالمي، بينما تُهمَل صور أخرى لا تقل مأساوية، فقط لأنها لا تخدم نفس الاتجاه.
الأرقام، التي يُفترض أن تكون أكثر العناصر حيادًا، تصبح هي الأخرى محل إعادة صياغة.
عدد الضحايا، حجم الخسائر، وحتى تسلسل الأحداث… كلها قابلة للتقديم بأكثر من شكل، كل منها يخدم رواية معينة.
هنا، لا يصبح التضليل كذبًا صريحًا دائمًا، بل قد يكون انتقاءً ذكيًا للحقيقة.
عرض جزء منها، وإخفاء جزء آخر، بما يخلق واقعًا يبدو متماسكًا، لكنه في الحقيقة ناقص.
ومع تطور وسائل الإعلام، لم تعد هذه المعركة مقتصرة على القنوات الرسمية.
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مفتوحة، تنتشر فيها المقاطع المقتطعة، والتصريحات المجتزأة، بسرعة تفوق قدرة التحقق منها.
فيديو قصير بلا سياق قد يشعل موجة غضب، قبل أن تظهر الحقيقة كاملة بعد فوات الأوان.
في هذه اللحظة، يتحول المتلقي من مجرد مشاهد إلى جزء من الصراع.
يشارك، يعلّق، يعيد النشر…
وفي كثير من الأحيان، يختار الرواية التي تتماشى مع قناعاته، لا تلك الأقرب إلى الحقيقة.
وهنا يصبح الجمهور، دون قصد، شريكًا في إعادة إنتاج التضليل.
الإعلام الحقيقي لا يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنه يحترم تعقيدها.
لا يختزل الصراعات في قصة واحدة سهلة، ولا يقدّم العالم بلونين فقط: أبيض أو أسود.
بل يترك مساحة للأسئلة، ويعترف بأن ما لا يُقال قد يكون أحيانًا أهم مما يُقال.
في النهاية، في زمن الحروب، لا تختفي الحقيقة…
لكنها تُدفن تحت طبقات من الروايات.ومن ينجح في فرض روايته، لا يكسب فقط تعاطف الجمهور، بل يربح جزءًا من المعركة نفسها.
وبين التوجيه والتضليل، تبقى المسؤولية مشتركة:إعلام يملك ضميرًا، وجمهور يملك وعيًا.



