بقلم الإعلامي خالد سالم
في عالمٍ لم يعد يكتفي بنهب ما يَبرق من ذهب أو يَشرق من عاج، امتدَّت أيدي الجشع لتطال ما دبَّ في باطن التراب، وتسلَّل بين حبَّات الرمل، وعاش دهوره بعيدًا عن أطماع البشر.. امتدَّت لتحلب النملةَ.
نعم، النملةَ. تلك المخلوق الذي طالما ضربنا به المَثَل في الكدِّ والعمل والنظام، باتَ اليوم سلعةً تُقدَّر بالدولارات، وتُهرَّب في عُلَب مغلقة بين أمتعة المسافرين، وتُباع في أسواق خافتة الإضاءة لمن يدفع أكثر.
من نيروبي إلى أوروبا وآسيا أحبطت سلطات مطار نيروبي الدولي مؤخرًا محاولةً لتهريب ألفَي نملة من حدائق كينيا إلى وجهاتٍ بعيدة، في مشهدٍ لم يكن أحدٌ ليتخيَّله قبل سنوات.
والحادثة ليست وليدة اللحظة، بل هي حلقةٌ في سلسلة بدأت تتشكَّل ملامحها حين أصدرت محكمةٌ كينية أحكامها بحق أربعة أشخاص أُدينوا بمحاولة تهريب أكثر من خمسة آلاف نملة، فدفعوا غرامةً ماليةً أو أودعوا السجن عامًا كاملاً.
قد يَضحك القارئ للوهلة الأولى، ثم يُفكِّر، ثم لا يجد ما يضحك منه.
جريمةٌ جديدة بوجهٍ قديم يُخبرنا الباحث إيليوت دورنبوس من جامعة نوتينجهام ترينت أن عالَم تهريب الأنواع البرية ظلَّ طويلاً حِكرًا على الكبير والفاخر؛ عاج الفيل، وقرن وحيد القرن، وفراء النمر.
أشياءٌ تَثقُل في اليد وتَبهر العين وتُرضي غرور المُقتني.
غير أن الجشع، في فلسفته العميقة، لا يأنَف الصغير متى وجد فيه ربحًا.
وهكذا دخل النمل والعناكب والعقارب إلى قائمة “البضائع الممنوعة المرغوبة”، ليضافَ اللافقريُّ الصغير إلى ملفِّ الجريمة البيئية الكبيرة.
ولعلَّ ما يُفاقم الأمرَ خطورةً أن هذه التجارة تظلُّ في الظل، إذ تشحُّ البيانات وتتعثَّر جهود إنفاذ القانون في رصدها، فلا أحدٌ يُغلق حقيبةً بسبب نملة.
حين يُصبح الهامش مركزًاثمة مفارقةٌ مُرَّة في أن الإنسان الذي دنَس البيئة الكبرى بمصانعه ومكبَّاته وانبعاثاته، يعود الآن ليُكمل الصورة بنهب أدقِّ تفاصيلها.
أسواق الحشرات المشروعة وحدها يُتوقَّع أن تبلغ قيمتها نحو ثمانية عشر مليار دولار بحلول عام 2033، فكيف بالأسواق الخفية التي لا يُصرَّح بأسعارها ولا تُسجَّل في جمارك؟
نحن أمام اقتصادٍ موازٍ ينهض على أجنحة الحشرات وأرجل النمل وسُموم العقارب.
اقتصادٌ يتغذَّى على ثغرات القانون وسذاجة الرأي العام الذي لا يزال يرى في تهريب نملةٍ مادةً للفكاهة، لا للاستنكار.
والنملة… تعملما يجهله هؤلاء المهرِّبون، وهم يضعون مستعمراتٍ حيَّة في عُلَب بلاستيكية صغيرة، أن النملة في بيئتها الطبيعية لا تُقيم لنفسها وجودًا منفصلاً.
إنها جزءٌ من منظومة: تُهوِّي التربة، وتُفكِّك المواد العضوية، وتوزِّع البذور، وتُغذِّي سلاسل غذائية بأكملها.
فحين تُسرق النملة من حديقة نيروبي، لا يخسر العالمُ نملةً، بل يخسر جزءًا من نسيجٍ دقيقٍ لم يُكمل البشرُ بعدُ فهمَ خيوطه.
الطبيعة لم تَأمن مِنَّا يومًا على أُسودها وأفيالها، فهل تأمن علينا اليوم نملتها؟
الجواب، للأسف، لا يزال رهينَ أيدٍ تبحث عن سعر.



