الحالة التي نمر بها الآن ونشعر معها بضيق وعدم راحة من تواجد الملايين من اللاجئين من الإخوة العرب والتي جعلت المواطن المصري يقول : انا أحق بالدعم ومساندة الدولة من الغريب ولديه الحق طبعا ..
نفس الوضع رأيناه بالضبط في العراق ثمانينات القرن الماضي حيث زحف المصريون بالملايين سعيا في طلب الرزق وبحثا عن فرصة عمل لضيق ذات اليد ولسبب توقف الدولة عن التعيين الحكومي وأيضا بسبب سياسة الانفتاح الأهوج غير المنظم ..
زاحموا العراقيين في ألأماكن التي توفر فرص العمل وكثيرا ما كان لهم الأفضلية حيث يقبلون بالأجر ألأقل ولسهولة التخلص منهم وقت الطلب من صاحب العمل ..
كان هناك غضب شعبي كبير مكتوم تجاه المصريين بل وحدثت تجاوزات كبيرة ضدهم هناك لكن الرئيس صدام حسين حسم الأمر بكلمته المشهورة بعد وقوع عدة حوادث مؤسفة من العراقيين ضد إخوانهم المصريين فقال : أي اعتداء على مصري هو اعتداء على صدام حسين شخصيا ..
توقفت الاعتداءات فورا وعاش المصريون هناك في راحة تامة وتوفرت لهم فرص العمل بكثرة .. من المفارقات العجيبة إن بعضهم كان لا يعمل من الأساس ويبيع جزءا من الدولارات التي تمنحها له الدولة العراقية عند الخروج في إجارة إلى مصر ليصرف منها طوال العام ! ..
الرئيس صدام حسين ( رحمه الله ) رغم أنه من تزعم جبهة الرفض العربي ضد نظام حكم الرئيس السادات بسبب كامب ديفيد وجعل الدول العربية تقاطع مصر اقتصاديا وسياسيا إلا أنه يحسب له أن فصل الجانب السياسي عن التواصل الشعبي الإنساني بطريقة مدهشة ..
فقد عاش المصريون في العراق في فترة حكمه أياما جميلة ولا نغالي إن قلنا إن تطور كل قرى مصر كان بفضل ما جاء به أبناؤها من العراق بأموال وأنا واحد منهم ..
أتذكر أن وزارة التخطيط بأمر من الرئيس صدام شخصيا كانت تقبل أوراق الخريجين المصريين في بعض التخصصات لتعينهم وتوزعهم بشكل فوري على الدوائر الحكومية سألت بعض العراقيين من الزملاء في العمل لماذا يفعل الرئيس صدام هذا مع المصريين رغم الخلاف السياسي الشديد بين البلدين وأيضا رزالات البعض منهم فكانت إجابتهم معبرة تماما عن الحالة ..
عاش في القاهرة مدة 3 سنوات تقريبا منتسبا لكلية الحقوق جامعة القاهرة وسكن وسط حي شعبي فقير لقلة ذات اليد وعاش بما كان يأتيه من معونة من بلده ..
حدث بعد اغتيال عبدالكريم قاسم وهو من ضمن المتهمين أن انقطع المدد عنه لفترة فلم يجد حتى ثمن الأكل ذاته وظل صاحب المطعم الرجل الكبير الطاعن في السن يعطيه الساندوتشات بالأجل وقال له عندما يأتيك المال سدد ما عليك ..
ظل الوضع هكذا فترة طويلة ولم يحدث ان تضايق الرجل منه لكن صدام سافر فجأة للعراق بعد أن دانت السلطة لحزب البعث وتولى البكر الحكم ..
بعد عدة سنوات تذكر صدام صاحب المطعم فأرسل له أعضاء من السفارة ليسددوا ما عليه من أموال والرجل لا يعلم شيئا عن السياسة ولم يتصور إطلاقا أن هذا الطالب الجائع أصبح رئيسا لجمهورية العراق فسألهم بعفوية وطيبة بالغة : هو الأستاذ صدام لقى شغل ! ..
سلموه مبلغا كبيرا من المال وخصصوا له راتبا شهريا معتبرا .. الرجل كان محبا عاشقا لمصر والمصريين من ذكرياتي في البلد الحبيب :عشت في بغداد 4 سنوات تقريبا ( 1981 – 1985 ) عملت فيها محررا رياضيا في صحيفة تسمى ب ” العراق ” التي كانت تتوسط أقدم وأعرق شوارع بغداد شارع الرشيد ..
كانت دورات الخليج مناسبة رائعة للتحليل والنقد الرياضي وترك لي المجال للكتابة في هذا الحدث بطريقة أثارت شكوكي ..
فلم أكن على قدر كبير من الموهبة والبراعة حتى يترك لي المجال هكذا ..
فهمت بعدها أن محرري الرياضة كانوا يهابون عدي صدام حسين بشكل مرعب لو أن أحدهم ارتكب خطأ ما أو قال كلمة لم تعجب عدي الذي كان رئيسا لاتحاد كرة القدم ومعلوم عنه أنه متقلب المشاعر حاد المزاج جدا فتركوا لي الأمر على أساس أنني مصري ولو حدث شيء سيكونون بعيدا عن بطش عدي ..
كان يملك جريدة رياضية اسمها ” البعث الرياضي ” وأحيانا يكتب فيها أو يكتب أحد باسمه بتوجيه منه ..
أتذكر مباراة كانت بين فريقي الطلبة والزوراء ( أهلي وزمالك العراق ) وكان عدي مشرفا على فريق الطلبة الذي منى بهزيمة من الزوراء فصب جام غضبه على حكم المباراة الذي لا أنسى اسمه ما حييت ( صلاح محمد كريم ) .. طلب مني رئيس القسم التعليق على المباراة قبيل الطبعة الأولى بدقائق لم تكن تسمح بالمراجعة فأشدت بالحكم إشادة كبيرة ومدحته كثيرا وخرجت الصحيفة للأسواق ..
هنا وقعت الكارثة فذكر لي مدير التحرير الذي كان قيادة بعثية كبيرة أنه لو مر 24 ساعة ولم يحدث لي شيء فأنا في أمان .. الجميع كان ينتظر مكالمة عدي وأنا اولهم بالطبع لكن الموضوع مر بسلام ولم يحدث شيء ..
العجيب أن عدي طلبني فيما بعد للكتابة والتحليل في جريدته البعث الرياضي وقد تم بالفعل وللأمانة لم أرى منه شيئا مما ذكروه عنه ..وأنا في صحيفة العراق حدث موقف عجيب يستحيل أن أنساه أيضا ..
فقد كان يعمل في سنترال الصحيفة شاب صعيدي وحدث أن الرئيس صدام اتصل بالسنترال ( لم يكن المحمول ظهر وقتها ) فطلب منه ان يوصله بمدير التحرير ( أحمد عبد الصاحب ) ..
الطبيعي أن يسأله العامل : نقوله مينو ( مين ) .. ليأتيه الصوت المجلجل . قوله صدام حسين ! .. ياللهول ! ..
ارتبك الولد بشدة وتلعثم ولم يكن قادرا ان تخرج منه الكلمات مرتبة مفهومة وكأنه مسك سلك كهربا عريان لكن الرئيس صدام بادره قائلا أيش بك ( مالك ) ..
فرد الولد بسرعة وكأنه يحاول الهروب من هول المفاجأة : مريض سيدي .. قال له الرئيس : روح مستشفى الكرادة ( حي كبير في بغداد ) وقولهم صدام حسين دزني ( أرسلني ) ..
حاضر سيدي وأوصله بالشخص المطلوب أشعر بحنين نحو هذا البلد العربي ولا أنس أبدا أنه البلد الوحيد الذي فتح أبوابه للملايين من فقراء مصر للدخول بلا تأشيرة والخروج بالدولارات بعد أن سدت في وجوههم كل أبواب الرزق من كل البلاد تقريبا.
كلمة أخيرة : مشكلة اللاجئين ستحل عاجلا أو آجلا وسيعود الأشقاء إلى بلادهم .. الحكمة مطلوبة في مثل هذه المواقف .. المؤكد أنها ستكون مشكلة من الماضي ..
المهم أنه لا يجب أبدا ندعها تترك ضغائن أو أحقادا بين الشعوب .. علاقة المحبة والود هي التي ستدوم



