بقلم خالد سالم
في عالم الصحافة، هناك أسماء تمر مرور العابرين، وأخرى تترك أثرًا لا يُمحى، لأنها لم تمارس المهنة كوظيفة، بل عاشت تفاصيلها كرسالة ومسؤولية وفن.
ومن بين تلك الأسماء اللامعة يبرز اسم الكاتب الصحفي القدير جمعة قابيل، الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة بين كبار الكُتّاب والإعلاميين، حتى استحق عن جدارة أن يُوصف بأنه “صحفي برتبة فنان”.
لم يكن مشوار جمعة قابيل مجرد رحلة مهنية تقليدية، بل كان مسارًا حافلًا بالاجتهاد والإبداع والرؤية العميقة.
فقد امتلك منذ بداياته حسًا صحفيًا مختلفًا، جعله قادرًا على التقاط التفاصيل الصغيرة وصياغتها بلغة تحمل روح الإنسان قبل الخبر، فكانت كتاباته دائمًا أقرب إلى نبض الشارع وهموم الناس، بعيدة عن الجمود، قريبة من الحقيقة.
ولد جمعة قابيل وفي داخله شغف بالكلمة، وإيمان بأن الصحافة ليست مجرد نقل للمعلومة، بل مسؤولية أخلاقية وموقف وطني.
ومن هنا بدأ مشواره الذي امتد عبر سنوات طويلة من العمل الصحفي والإعلامي، قدم خلالها العديد من التحقيقات والمقالات والحوارات التي تركت بصمة واضحة في الوسط الصحفي.
تميز بأسلوبه الخاص الذي يجمع بين الرصانة والعمق والبساطة، فكان قادرًا على مخاطبة المثقف والعامة في آنٍ واحد، وهي موهبة لا يمتلكها إلا القليل.
كما عُرف بجرأته المهنية، وحرصه على المهنية والموضوعية، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي الزائف، ما جعله محل احترام وتقدير من زملائه وقرائه على حد سواء.
لكن موهبة جمعة قابيل لم تتوقف عند حدود الصحافة فقط، بل امتدت إلى مجالات الإبداع الفني والمسرحي، ليؤكد أنه بالفعل صحفي يحمل روح الفنان.
فقد خاض تجربة التأليف المسرحي بإبداع لافت، وقدم أعمالًا تحمل رؤية إنسانية واجتماعية عميقة، كما مارس التمثيل باقتدار، مستفيدًا من حسه التعبيري وقدرته على فهم النفس البشرية وتقديمها بصدق على المسرح.
ومن أبرز إنجازاته الفنية تأسيسه لفرقة مسرحية متميزة حملت اسم “مسرح الناس”، وهي تجربة مهمة عكست إيمانه بأن الفن رسالة لا تقل أهمية عن الكلمة المكتوبة.
وقد سعى من خلال هذه الفرقة إلى تقديم مسرح قريب من الناس، يناقش قضاياهم، ويعبر عن أحلامهم وآلامهم، بعيدًا عن التعقيد أو الانفصال عن الواقع.
كما كان له حضور واضح في مجال الإعلام المرئي، حيث قدم العديد من البرامج التلفزيونية المتميزة التي جمعت بين الثقافة والوعي والطرح المهني الراقي، واستطاع من خلالها أن يصل إلى جمهور أوسع، محافظًا على نفس المصداقية والاحترام الذي عُرف به في الصحافة المكتوبة.
على مدار مسيرته، تولّى جمعة قابيل العديد من المهام الصحفية المهمة، وشارك في تغطية أحداث مفصلية، وكان حاضرًا بقلمه ورؤيته في مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية.
كما ساهم في دعم أجيال جديدة من الصحفيين، مؤمنًا بأن المهنة لا تزدهر إلا بتبادل الخبرة وصناعة الكفاءات.ولم تتوقف إنجازاته عند حدود المقالات والتحقيقات، بل امتدت إلى بناء حضور إعلامي مؤثر، جعل اسمه مرتبطًا بالمصداقية والثقة.
لقد استطاع أن يحافظ على مكانته في زمن تتبدل فيه المعايير سريعًا، لأن القيمة الحقيقية لا تصنعها الشهرة، بل يصنعها الصدق والاستمرار.
إن الحديث عن جمعة قابيل هو حديث عن نموذج يُحتذى به في الصحافة المصرية والعربية، نموذج يؤكد أن الصحفي الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يكتب، بل بمدى ما يتركه من أثر في وعي الناس وذاكرة الوطن.
لهذا، فإن وصفه بـ”صحفي برتبة فنان” ليس مجرد عنوان، بل هو حقيقة تعكس مسيرة رجل آمن بالكلمة، فأخلص لها، فأعطته مكانة لا تُشترى، واحترامًا لا يُمنح إلا لمن يستحق.
تحية تقدير واحترام للكاتب الصحفي الكبير جمعة قابيل، الذي أثبت أن الصحافة حين تلتقي بالموهبة، يصبح صاحبها فنانًا من نوع خاص، وصاحب رسالة لا تنتهي.



