بقلم: خالد سالم
كان جيلنا يرى التلفزيون وكأنه صندوقٌ ساحر، نافذةٌ صغيرة تُفتح على عالمٍ من الدهشة والجمال، عالمٍ لا يشبه الواقع الذي نعيشه، بل يشبه الحلم الذي نسعى إليه.
كنا نجلس أمام الشاشة بالساعات، مأخوذين بذلك السحر الأبيض الذي يتسلل إلى البيوت بلا استئذان، حاملاً معه الفن والثقافة والخيال.
أتذكر جيدًا كيف كنا، ونحن أطفال، نحاول أن ننظر من خلال الفتحات الخلفية لجهاز التلفزيون، نبحث عن ذلك العالم السري، ونتساءل ببراءة: أين تختبئ المذيعات؟ كيف يدخلن إلى هذا الصندوق العجيب؟ كنا نظن أنهن يعشن بداخله، مثل الساحرات الجميلات اللواتي يخطفن عقولنا وقلوبنا.
كانت أسماء مثل هند أبو السعود، سهير الأتربي، فايزة واصف، نجوى إبراهيم، فريال صالح، سلمى الشماع، سهير شلبي، سوزان حسن، ونادية حليم، تمثل لنا رموزًا من عالم خاص، عالم الأناقة والثقافة والحضور الطاغي.
لم تكن مجرد مذيعات، بل كنّ نجمات حقيقيات، يحملن الهيبة والرقي، ويصنعن صورة التلفزيون المصري الذي كان مدرسةً إعلامية وفنية عظيمة.
لم أكن أتخيل يومًا أنني سأصبح جزءًا من هذا العالم الذي طالما سحرني، وأن أعمل مع هؤلاء النجمات اللواتي كنّ بالنسبة لنا أساطير حية.
لم أتخيل أن أنتمي إلى أسرة ماسبيرو، ذلك الصرح العظيم الذي لم يكن مجرد مبنى، بل كان حلمًا وكيانًا ووجدانًا أمة كاملة.
في ماسبيرو، لم يكن العمل مجرد وظيفة، بل كان انتماءً حقيقيًا للفن والإبداع.
هناك، اقتربت من نجوم الغناء والتمثيل، وعشت لحظات لا تُنسى مع كبار الفنانين الذين صنعوا وجدان الناس.
تعلمت أن الفن ليس مجرد صورة على الشاشة، بل رسالة ومسؤولية وشغف لا ينتهي.
وحتى اليوم، ما زال الفن يسري في الدماء، وما زالت الكاميرا بالنسبة لي ليست مجرد أداة، بل نافذة أطل منها على الحياة، وأحكي من خلالها الحكايات التي تستحق أن تُروى.
أنا خالد سالم، مخرج تلفزيوني ومؤلف مسلسلات إذاعية، كانت رحلتي مع الفن امتدادًا لذلك الطفل الصغير الذي كان يقف خلف جهاز التلفزيون محاولًا اكتشاف السر.
واليوم، بعد سنوات من العمل والإبداع، ما زلت أؤمن أن ماسبيرو لم يكن مجرد بداية… بل كان قدرًا جميلًا، وحلمًا تحقق، وما زال مستمرًا.
ماسبيرو بالنسبة لي ليس مجرد مكان، بل حالة من الانبهار الدائم… ولهذا سيظل دائمًا: ماسبيرو المبهر.



