بقلم الإعلامي خالد سالم
في الصباح الباكر، حين يكون الجو لا يزال يحمل بقايا برودة الليل، تجد أمام مبنى التأمين الصحي طابورًا بشريًا يمتد لمئات الأمتار.
ليسوا شبابًا ينتظرون توظيفًا، ولا تجارًا ينتظرون صفقة، بل هم كبار السن، أصحاب المعاشات، الذين أفنوا عمرهم في خدمة هذا الوطن، وجاؤوا اليوم — في آخر محطات أعمارهم — ليجدِّدوا بطاقة التأمين الصحي، تلك البطاقة التي كان ينبغي أن تكون هديةَ الوطن لهم، لا عقوبةً يُعذَّبون بها كل عام.
وقفتُ أراقب المشهد بعينَين لا تصدِّقان ما ترى.
رجل يتكئ على عصاه، وامرأة عجوز تمسك بذراع ابنتها كي لا تسقط، وآخر يجلس على الرصيف منهكًا، يلهث في انتظار دوره الذي لا يأتي.
وبجانبهم، في الطابور ذاته، شبابٌ أصحاء لا يعانون ما يعانيه هؤلاء من وهن الجسد وثِقَل السنين.
لا تفريق، لا اعتبار، لا رحمة.
لم أتحمل الصمت، فذهبتُ إلى الطبيبة مديرة الوحدة، وأبلغتُها بما رأيت، وطالبتُ بتقسيم الطوابير وتخصيص مسار مستقل لأصحاب المعاشات بعيدًا عن باقي الفئات.
والحق يُقال إنها — مشكورةً — استجابت فورًا وأمرت بذلك.
غير أن حسن نيتها الشخصية لا يُعفي المنظومة كلها من المسؤولية، ولا يُسقط التساؤل الجوهري: لماذا يحدث هذا أصلًا؟
ما الذي يستوجب كل هذا العناء؟
خمسة وثلاثون جنيهًا هو ثمن المهزلة بأكملها: خمسة عشر جنيهًا طوابع تأمينات، وعشرون جنيهًا استمارة لا يعرف أحد على وجه الدقة لماذا تُوجد أصلًا.
وإلى جانب هذا المبلغ الهزيل، ثمة تكاليف خفية لا تظهر في الإيصالات: أجرة المواصلات ذهابًا وإيابًا، وساعات الوقوف في الشمس والزحام، والإرهاق الجسدي الذي يدفعه من لا يملك القدرة على دفعه.
وأكثر ما يحيِّرني هو هذا الإصرار على تغيير دفتر التأمين الصحي كل عام دون مسوِّغ واضح. هل هو تحديث للبيانات؟
فالبيانات لا تتغير.
هل هو إثبات الحياة؟
فثمة وسائل أكثر إنسانية لذلك.
أم هو شيء لا يجيد أحد تفسيره سوى القول إن «هكذا وجدناه ولم نغيِّره»؟
الحل بسيط وفي متناول اليد: إن كان الغرض من هذه العملية دفع مبلغ سنوي، فليُدفع في العيادة ذاتها، ويُختم في العيادة ذاتها، دون أن يُرغَم صاحب المعاش على شد رحله إلى مبنى التأمين الصحي في زحامه وضجيجه ولا مبالاته.
هكذا يكون الاحترام، وهكذا تكون الخدمة العامة.
أصحاب المعاشات ليسوا عبئًا على المنظومة، بل هم من بنوا المنظومة بأيديهم وعرقهم وسنوات شبابهم.
وما يلقونه اليوم أمام أبواب التأمين الصحي ليس إهمالًا عاديًا، بل هو إهانة صامتة لا يصنعها أحد بقرار مكتوب، لكنها تتشكَّل يومًا بيوم من اللامبالاة وانعدام التخطيط وغياب الحس الإنساني في إدارة الخدمات العامة.
نعم، ثمة أفراد كالطبيبة التي التقيتُ بها يحملون ضميرًا ويستجيبون حين يُنبَّهون.
لكن الضمير الفردي لا يكفي حين تكون المنظومة برمَّتها بحاجة إلى إعادة نظر. المطلوب ليس معجزةً، المطلوب فقط أن نتذكر أن هؤلاء الناس في آخر أيامهم، وأن ما يُقدَّم لهم اليوم هو المرآة التي ستعكس صورتنا أمام التاريخ.
وإذا كان تجديد بطاقة التأمين الصحي قد صار بهذا الشكل — طوابير وزحام وإهانة صامتة — فأقل ما يمكن قوله بصدق ووضوح: هذا حرام.
خالد سالم


