ليس مهمًا أن يستمر الأشخاص، فكلنا إلى زوال، ولكن تبقى القيمة الحقيقية، ويبقى مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط منارةً مضيئةً في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية.
من أجل المهرجان، ومن أجل أن يستمر في أداء رسالته، أعلن استقالتي من رئاسة الدورة القادمة.
المهم أن يستمر المهرجان.ولكن، للحقيقة والتاريخ، وبعيدًا عن أصحاب المصالح الصغيرة، يجب أن أتحدث.
لقد انتخبتني جمعية عمومية تضم نخبة من كتاب ونقاد السينما بأغلبية مطلقة، وبأعلى الأصوات، أكثر من خمس مرات على مدار ثلاثين عامًا.
ثم انتخبتني صفوة كتاب ونقاد السينما في مجلس الإدارة، بالتزكية مرات ومرات، رئيسًا للجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، ورئيسًا لمهرجان الإسكندرية السينمائي لسنوات طويلة.
فأنا لم أعيّن نفسي، ولم أفرض نفسي على أحد.
وما زال مجلس الإدارة، بقاماته الكبيرة، حريصًا على وجودي، لكنني أقدّم مصلحة المهرجان فوق كل مصلحة.
فلم أنظر إلى أصحاب المصالح، ولا إلى المغيبين والمُحرِّضين، بل إنني الآن أرمي كل ذلك وراء ظهري حرصًا على مهرجان أحببته، وأفنيت الكثير من سنوات عمري راهبًا في محرابه.
إن الذين انتخبوني في كل مرة هم أصحاب الحق في الاختيار، وهم الذين وكلتهم الجمعية العمومية للجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما بهذه المهمة.
وأشعر أنني مدين لهم في كل مرة طوّقوا عنقي فيها بثقتهم وفضلهم.
فلا يمكن أن يجتمع عليك الناس لأكثر من ثلث قرن خطأً أو مجاملة، وأنت لا تملك مالًا ولا نفوذًا ولا سلطة، وإنما لأنك تبذل كل الجهد بإخلاص في خدمة الجمعية التي دخلتها شابًا صغيرًا، حتى ابيضّ الشعر ومضت سنوات العمر في هذا العشق.
قدمت خلالها 26 كتابًا في السياسة والفن والتاريخ، وأصبحت عضوًا في اتحاد كتاب مصر عام 2013، ثم أمينًا للصندوق حتى استقلت، لأعود في عام 2026 عضوًا بمجلس إدارته من جديد.
منذ عدة أشهر، اتصلت بالصديق العزيز الدكتور وليد سيف، أعرض عليه تولي رئاسة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، لما له من خبرة سابقة في رئاسة الدورة الثامنة والعشرين للمهرجان، حيث كنت أعمل معه آنذاك نائبًا لرئيس المهرجان.
وعندما تحدثت إليه مؤخرًا، كنت أسعى إلى تجديد دماء إدارة المهرجان وتغيير نمط العمل، بحثًا عن صورة جديدة للمهرجان برؤية مختلفة وخبرة تليق بمهرجان يقترب رويدًا رويدًا من نصف قرن.
إلا أنه خذلني عندما أكد رفضه لطلبي، بسبب ظروف يراها منطقية، بينما أراها واهية، لأنني أثق في قدرته وكفاءته ومكانته العلمية، بعد صداقة تقترب من ثلث قرن أو تزيد.
وعندما طلبت منه ترشيح بديل، وقف مثلي عاجزًا عن تقديم اسم يراه جديرًا برئاسة ثاني أقدم مهرجان سينمائي في مصر.
وبعيدًا عن المهاترات وادعاء البطولات الوهمية الكاذبة، في حرب ضد ديمقراطية القرار ودعمًا لفساد النفوس، أقول: عندما عرض أحد أعضاء مجلس الإدارة فكرة التغيير، وافقت وطلبت ترشيح البديل المناسب.
وبعيدًا عن رأيي الشخصي، لم تحظَ الأسماء المطروحة بموافقة السادة أعضاء مجلس الإدارة، فتأجل الاجتماع أسبوعين.
وقبل نهاية الأسبوع الأول، رأى بعض أعضاء المجلس ضرورة الاجتماع سريعًا لاتخاذ موقف، حتى نعطي من يقع عليه الاختيار الفرصة الكاملة للعمل والوقت الكافي للنجاح.
وطلب مني صاحب اقتراح التغيير أن أرشح اسمًا وأدعمه، فرفضت، وقلت إنه لا بد أن أبتعد عن المشهد دون أي مسؤوليات.
ولما لم نصل إلى اسم يحظى بإجماع المجلس أو أغلبيته، اقترح ستة أعضاء من مجلس الإدارة إعادة ترشيحي لرئاسة المهرجان إنقاذًا للموقف، وهو ما قوبل برفض عضوين من الحضور، وكان عددنا تسعة أعضاء من أصل أحد عشر عضوًا.
وبدأت بعد ذلك حملة تشهير وتشويه ليس هذا مكان الحديث عنها، وسوف يأتي بيانها في حينه.
وبعد ما حدث خلال اجتماع لجنة المهرجانات السينمائية بوزارة الثقافة، صدر القرار المؤلم لكل مثقف غيور، ليس على مهرجان الإسكندرية السينمائي فحسب، بل على الثقافة المصرية بأكملها.
وهنا كان لا بد أن يكون القرار نابعًا من داخلي أنا، لا قرارًا مفروضًا من داخل الجمعية أو من خارجها.لذلك تقدمت باستقالتي من رئاسة المهرجان للدورة الجديدة، حفاظًا على جهد قامات كبيرة أسست هذا الصرح العظيم، ثم رحلت وتركت الأمانة بين أيدينا.
فإذا كانت المشكلة في شخصي، فإنني أعلنها صريحة: كفى مهاترات.
لا يمكن أن أبقى أنا ويفنى المهرجان، بل أفضل أن نذهب جميعًا ويبقى مهرجان عريق، يعد منارة سينمائية حقيقية للفن السابع.
استقلت ليبقى المهرجان، وأترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة ليختار من يشاء لقيادة سفينة المهرجان خلال المرحلة القادمة.
لقد شاركت في هذا المهرجان منذ عودته عام 1988 على يد الفنان فاروق حسني، وخلال هذه السنوات تقلدت العديد من المناصب؛ من مدير للمركز الصحفي، إلى أمين للصندوق، ثم أمين عام للمهرجان، ومدير للمهرجان، ونائب للرئيس، ثم رئيسًا لمجلس إدارة الجمعية، ورئيسًا للمهرجان.
بذلت الكثير من الجهد بمشاركة زملاء أعزاء وأساتذة كبار، وعلى مدار ثلاث عشرة دورة كرّمنا رواد الفن المصري والعربي والمتوسطي، وأسماء كبيرة من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها من دول المتوسط.
كما عقدنا عشرات الورش ومئات الندوات، وأصدرنا أكثر من 200 كتاب في الثقافة السينمائية، وأصبحت لدينا مكتبة تحمل اسم “كتاب السينما”، شارك في إعدادها كبار الكتاب والنقاد.
وما زالت أحلام المهرجان كبيرة، تنتظر أجيالًا قادمة تعمل على تحقيقها.
وسوف نذهب جميعًا، ويبقى مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط منارة خالدة للثقافة السينمائية، ومدرسة عظيمة تؤدي دورها في نهضة الفن السابع.
شكرًا مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، فقد هرمت في جنباتك.
تحيا الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، ويحيا مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، وتحيا السينما، وتحيا مصر من قبل ومن بعد.
فهي الغاية والوسيلة.


