عملت في المملكة العربية السعودية في مركز المعلومات قسم الصور بجريدة عكاظ في جدة مدة طويلة .. المركز كان يضم أجهزة استقبال البث من وكالات الأنباء العالمية بشكل دائم ومستمر ..
في فترة اشتداد المرض على الملك فهد ( رحمه الله ) كانت وكالات الأنباء تكثف من تقاريرها المتتالية عمن هو الأنسب لتولى الحكم من بعده .. أحد هذه التقارير جاء من وكالة ( A.P ) ليقول : الولايات المتحدة لا تفضل تولى عبد الله ( الشخص الثاني في المملكة ) السلطة في البلاد وتفضل عليه وزير الدفاع وقتها الأمير سلطان ( الشخص الثالث ) ..
وساقت الأسباب قائلة : الأمير عبد الله رجل مرتبط بشعبه ويحظى بحب قطاع كبير من السعوديين .. هو أيضا له نزعة عروبية طاغية ومعتز بقوميته وقد يكون ذلك عائقا لسياسة أمريكا في المنطقة ..
كذلك يتصف بالبداوة حاد الطباع ولا يميل إلى لعبة المساومات السياسية .. طبعا كنا نحفظ مثل هذه التقارير التي لا تصلح للنشر في صحيفة سعودية أما عن انطباعاتي الشخصية عن الملك عبد الله ( ولي العهد وقتها ) فأؤكد أنني لمست حبا حقيقيا لدى كل من كان يقيم على أرض المملكة لهذا الرجل سعوديون وعرب وأجانب .
فقد كان رمزا حقيقيا للشهامة العربية القديمة التي لم نعد نسمع عنها شيئا إلا في الكتب فقط .. كان يمد يد العون لكل من يلجأ إليه فلا يرد أحدا أبدا .
كان له لقاءا أسبوعيا بالمواطنين والمقيمين يعقده في ديوانه الذي غالبا ما كان يزدحم بعدد كبير جدا من الزوار وكنا نشفق على الرجل لكبر سنه .. فقد كان حريصا على مصافحة كل من قصد زيارته بيده رغم مرضه ..
وهناك من ذهب إليه لغرض السلام فقط .. وأيضا من كان له مظلمة أو حاجة فذهب طالبا مساعدته .
كنا نراه يقوم للكبير والمقعد بلا تكلف أو تمثيل .. من عاش في المملكة العربية السعودية في تلك الفترة يعلم مدى حب الناس الشديد لهذا الرجل وهو جدير به رحمه الله كان محبا بل عاشقا لمصر وهو من وقف بقوة ومعه وزير خارجيته الجسور سعود الفيصل ضد كل محاولات ضرب ثورة 30 يونيو خصوصا من أمريكا ومعها الدول الأوروبية ..
لذلك لم أستغرب أبدا عندما حطت طائرة الملك عبدالله في مطار القاهرة وهو راجع إلى بلده من رحلة علاج طويلة في رسالة دعم عظيمة كنا في أمس الحاجة إليها ..
صعد الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الطائرة ليحتضنه ويقبل رأسه فالرجل كان قد اقعده المرض ولا يستطيع النزول من سلم الطائرة إلا بتجهيزات خاصة ومع ذلك أصر بشدة على المرور بمصر ..
الرجل أدرك ببصيرته النافذة أن هذا البلد هو رمانة الميزان لكل المنطقة وأن قوى الشر لن تدعه ينهض أبدا لأن فيه الخطر المؤكد على مصالحهم ..
أما سقوطه – لا قدر الله – فسيجعل المنطقة كلها ومن ضمنها السعودية في مهب الريح ويحقق لهم مآربهم الشيطانية ………. موقف يحمل دلالات عظيمة وإشارة واضحة لمن سيأتون من بعده ..
أما الكبيرة مصر فإنها تحفظ الجميل للأشقاء دائما ولا تنس أبدا من دعمها في المواقف الصعبة.


