حين وضعت “المجلة العربية” بورتريه ماجد عبدالله في العدد الأخير، تحرّكت في داخلي طبقاتٌ قديمة من المشاعر، كأن الزمن عاد بي إلى تلك الأيام التي كان فيها اسم ماجد جزءًا من نبض الحياة اليومية.
وربما جاء هذا الشعور متكاملًا مع ما أثارته قبل أسابيع الجلسة الحوارية للدكتورة دلال المالكي عن “كرة القدم في السرد السعودي”، إذ أعادت لكرة القدم حيّزها في الذاكرة، ومحطةً مهمة في السيرة الشخصية لجيلٍ كامل.
وأبدأ من حكايةٍ أراها جديرةً بالتأمل؛ حكاية والده الكابتن أحمد عبدالله، القادم من السودان الشقيق، الذي انتقل من جدة إلى الرياض، وهنا استقرّ وصنع أسرته، وكان من بين ما أنجبه لهذه البلاد هذه الجوهرة النادرة المشهورة باسم ماجد عبدالله.
غير أن مفارقة الحياة أن شهرة الابن غطّت على اسم الأب، حتى صار الجميع يقول: ماجد عبدالله، وغاب أحمد عبدالله عن الذاكرة العامة، مع أنه الأصل الأول في هذه الحكاية؛ الأب الذي أنجب وربّى وصبر.
وقد كنت محظوظًا أن رأيته مرةً واحدة، رحمه الله، في ملعب الملز، جاء يومها يتأمل ابنه بعين الأب ونظرة الخبير، ويستمع إلى حديث الناس عنه، وكأنه يريد أن يطمئن إلى أن كل هذا المجد حقيقي.
كنت من الذين تابعوا ماجد منذ بداياته الأولى، يوم كان لاعبًا في درجة الشباب بنادي النصر.
أتذكر كيف كان اسمه يتردد في الأحاديث مبكرًا، وكيف أخبرني صديقٌ مقرّب، وهو من مشجعي نادي الرياض، أن النصر كسب موهبةً استثنائية كان يراها تلعب في الحواري، وكان الناس يومها يلقبونه بـ”ماجد السوداني”.
ثم جاءت الجنسية السعودية، وكان للأمير الراحل عبدالرحمن بن سعود، رحمه الله، دورٌ مهم في ذلك، قبل أن يبدأ ماجد رحلته الكبرى، ويخطو أولى خطواته نحو المجد.
حضرتُ إحدى بداياته مع الفريق الأول، في مباراة ودية أمام الفتح المغربي، ورأيت بعيني كيف بدأ يثبت نفسه لاعبًا مختلفًا، لاعبًا لا يشبه أحدًا.
ومنذ تلك اللحظة، كان واضحًا أن الكرة السعودية أمام ظاهرة لن تتكرر، فمثل هذه النوادر تُصنع مرةً واحدة فقط.
أتذكر له مباراةً لنادي النصر مع نادي أحد من المدينة المنورة، فاز النصر فيها بخمسة أهداف سجّلها جميعها ماجد، ولكن العجيب أنها كانت بخمس طرق مختلفة: هدفٌ بالرأس، وهدفٌ من ضربة جزاء (بلنتي)، وهدفٌ من ضربة حرة مباشرة (فاول)، وهدفٌ من رفعة ركنية، وهدفٌ بعد مراوغة الحارس، وتسديدةٌ من خارج منطقة الثمانية عشر، كأن ماجد كان يعطي درسًا عمليًا للاعبين الشباب في كيف تكون هدافًا.
الحديث عن ماجد لاعبًا يحتاج إلى كتابٍ كامل؛ سيرةً تليق به، أو روايةً تستعيد حكايته من بدايتها حتى ذروة مجده.
فالرجل، فوق كونه هدافًا استثنائيًا، يمثل في نظري حالةً رياضية وإنسانية نادرة.
ما يلفتني في ماجد، أكثر من أهدافه ومنجزاته وأرقامه القياسية، شخصيته الآسرة وأخلاقه العالية.
حتى ذلك التلعثم العذب في حديثه، الذي كان يكشف عن بساطةٍ فطرية وصدقٍ داخلي، بعيدًا عن التصنع والتكلف.
كان كما يبدو في الملعب هو نفسه خارجه؛ إنسانًا نقيًّا، متواضعًا، كريم العطاء، لا يحتاج إلى صناعة صورة، لأن صورته الحقيقية كانت أجمل من أي صورة يمكن أن يصنعها الإعلام.
وأذكر شيئًا شخصيًا لا أنساه: بعد اعتزال ماجد، انقطعتُ عن حضور المباريات في الملاعب.
كأن شيئًا من المعنى غادر الكرة برحيله.
حتى جاء يوم مباراة اعتزاله، فاشتريت ثلاث تذاكر من السوق السوداء، بمئتي ريال لكل تذكرة، وحضرت مع ولديّ يوسف ويزيد تلك الليلة التاريخية، حين واجه النصر ريال مدريد.
رأيت يومها لاعبي المفضل، السهم الملتهب، جلاد حراس المرمى، يعود إلى الركض بعد عشر سنوات من الغياب.
عشرون دقيقة فقط لعبها، لكنها كانت كافية لتعيد إليّ عمرًا كاملًا من الذكريات.
وحين خرج من الملعب، شعرت أن شيئًا في داخلي خرج معه.
غادرت الملعب تلك الليلة، ولم أعد إلى الملاعب بعد ذلك، مكتفيًا بمشاهدة المباريات على التلفاز.
تذكّرت بيتًا من الشعر النبطي كان يردده والدي، رحمه الله، عندما يخسر شيئًا يحبه، ولا يمكن تعويضه، وهو للشاعر والفارس ضيف الله بن حميد بعد موت أخيه عبيد: الخيل عقب عبيد ما به نمارهوش عاد لو راحن وش عاد لو جن.
نعم، قد يحدث أن تعشق كرة القدم من أجل لاعبٍ واحد، فإذا غاب، انطفأ شيءٌ فيك من ذلك العشق معه.
في بعض مراحل العمر، كان حبّ ماجد جزءًا من حبّ الحياة نفسها.
أقول هذا وأنا لم ألتقه يومًا، ولم أره خارج المستطيل الأخضر، لكن يعلم الله أن له في القلب مكانةً لا يشاركه فيها أحدٌ من خارج عائلتي.
سألني مرةً قريبٌ لي، وهو هلالي الميول، وطبيبٌ استشاري في الأمراض الجلدية: لماذا كل هذا الحب لماجد؟
فقلت له، دون تردد:“لأن الله خلق بعض الناس في حياتنا.. ليكونوا من مجلبات السعادة النادرة من غير أن يعلموا.”



