بدأ المخرج الأسطوري الفذ “فطين عبد الوهاب” فيلمه اللطيف “٧ أيام فى الجنة” عام ١٩٦٩ بأغنية ذات طابع “فيروزي” من كلمات وألحان “الأخوين رحباني” لبطلة الفيلم المطربة الفنانة “نجاة” هي أغنية “دوَّارين فى الشوارع” مع نجم الكوميديا “أمين الهنيدي”، وهى تبيع الفل للمصطافين فى شوارع “شاطىء المعمورة” الذي أنشيء قبل تصوير الفيلم بعشر سنوات في شرق مدينة الأسكندرية .
وفى كل مرة أشاهد هذا الفيلم، وخلال دقائق الأغنية القليلة، تمر أمامي ذكريات أيام الصيف فى بداية ومنتصف سبعينات القرن الماضي، وفى نفس المكان ونفس الشوارع، وسخونة أسفلت هذه الشوارع على أقدامنا الحافية فى طريق العودة من البحر، والأمواج ورائحة اليود والبراميل والبلسوارات، والسباحة حتى جزيرة المنتزه الصغيرة بعد الكوبري الأحمر، والسير بين كبائن وعمارات المعمورة ذات الطابع الأوروبى الحديث والألوان الزاهية المتنوعة، وبعضها بقطع الموزايكو التى تضىء ليلاً .
وأتذكر الملاهي البسيطة أمام فندق “المعمورة پالاس”، وحلبة سيارات السباق الصغيرة خلفه، ومباريات الكرة فى الملعب الترابي الكبير، ولقاءات المساء الرقيقة فى الشارع الرئيسي وشارع ممشى البحر، وكازينو”نايت اند داي” و”ماكسيم” والأيس كريم و”البانانا بوت”، والدرة المشوي، وسينما المعمورة الصيفي، والأفلام فى پروجرام واحد “أبي فوق الشجرة” و”نار الشوق” و “خلي بالك من زوزو” .
وما أحلى الذهاب صباحاً إلى شارع السوق بطابعه السكندري الجميل، والعيش السخن، والفول والفلافل، ولقمة القاضي، ورائحة السمك المشوى، والسنترال الذي كنا نقضي فيه وقتاً نتسامر فيه -دون أن يعرف أحدنا اسم الآخر- حتى تأتي المكالمة، ويرسخ فى وجداننا منذ نعومة أظافرنا قيمة التواصل مع أهلنا وأقاربنا في محافظات مصر المختلفة.
كنا نرى السيارات المكشوفة يقودها كبار الفنانين والمشاهير، ونتابعها حتى تصل لنهاية الشارع عند الباب الكبير المهيب لإستراحة الرئيس “السادات” وأسرة الرئيس “عبد الناصر” ثم تعود فنفرح برؤياهم.
كل ما كنا نشعر به أثناء المذاكرة والإمتحانات، وإنتظار الصيف والحرية والإنطلاق والمرح والسهر والمغامرات، كنا نسمعه يتردد حولنا فى كل مكان من المنازل والحدائق والمتاجر وتحت الشماسي، بصوت ” عبد الحليم”من أوبريت “قاضي الپلاچ” الذى غنّاه فى تلك الأيام على شاطىء “عايدة”فى المنتزه بكلمات “مرسي جميل عزيز” ولحن “منير مراد” في فيلم “أبي فوق الشجرة” للمخرج “حسين كمال” .
يا أحلى شمس وأحلى رمل وأحلى مية إحنا وشبابنا وحبنا يا اسكندرية.


