تمتلك مصر ثروة قومية حقيقية تتمثل في احتياطيات ضخمة من الرمال البيضاء عالية النقاء التي تعد من أهم الخامات الاستراتيجية في العالم الحديث وتدخل في صناعات المستقبل مثل الزجاج المتخصص والخلايا الشمسية والألياف الضوئية وأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية التي تقوم عليها كل التكنولوجيا التي نستخدمها اليوم.
ورغم ما تملكه الدولة من هذه الثروة الهائلة إلا أن جزءا كبيرا منها ما زال يصدر كمادة خام بأسعار زهيدة دون أن نستفيد من القيمة المضافة الحقيقية التي يمكن أن تحققها هذه الرمال إذا تم تصنيعها محليا وتحويلها إلى منتجات تكنولوجية متقدمة تتضاعف قيمتها السوقية عشرات المرات.
إن استمرار تصدير الرمال البيضاء كمادة خام يفقد الاقتصاد المصري مليارات الدولارات سنويا ويحرمنا من فرصة حقيقية لدخول سلاسل القيمة العالمية في الصناعات الدقيقة التي أصبحت معيار قوة الدول وتقدمها في القرن الحادي والعشرين.
لقد أصبح توطين الصناعة وتعميق التصنيع المحلي خيارا استراتيجيا لا رفاهية ويجب أن تكون الرمال البيضاء في مقدمة الملفات التي تتعامل معها الدولة بهذا المنطق لأنها ليست مجرد رمال بل هي المادة الخام التي تصنع منها شرائح السيليكون التي تشغل الهواتف والحواسيب والسيارات والطائرات وكل الأجهزة الذكية إن العالم اليوم يشهد حربا تكنولوجية كبرى على مصادر المواد الخام التي تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية والدول التي تمتلك هذه الخامات وتستطيع تصنيعها هي التي ستقود الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة ومصر لديها الفرصة والموارد والموقع ولكن ينقصنا القرار والإرادة لتنفيذ خطة استراتيجية واضحة.
وتتطلب هذه الخطة إنشاء مجمعات صناعية متخصصة لتصنيع السيليكون عالي النقاء وتهيئة البنية التحتية والتكنولوجية اللازمة وجذب استثمارات محلية وأجنبية كبرى في هذا المجال وتأهيل الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع هذه الصناعات المعقدة.
كما يجب مراجعة سياسات التصدير الحالية للمواد الخام ووضع ضوابط تمنع تصدير الرمال البيضاء دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية داخل مصر لأن تصدير الخام هو تصدير للثروة ولفرص العمل وللمستقبل.
إن المعوقات التي تواجه توطين هذه الصناعات سواء كانت فنية أو اقتصادية أو تكنولوجية يمكن تجاوزها بالإرادة السياسية والشراكة مع الدول والشركات الكبرى التي تمتلك التكنولوجيا والخبرة خاصة أن مصر سوق كبير وموقع استراتيجي يربط بين ثلاث قارات.
إن تعظيم الاستفادة من الرمال البيضاء ليس فقط طريقا لزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي بل هو بوابة حقيقية لدخول مصر عصر الصناعات التكنولوجية المتقدمة وبناء اقتصاد قائم على المعرفة يحقق رؤية الدولة للتنمية المستدامة ويوفر فرص عمل للأجيال القادمة.
إن الفرصة ما زالت قائمة ولكنها لن تنتظر طويلا والقرار الآن في يد من يملك الإرادة لتحويل هذه الرمال إلى ذهب وإلى مستقبل.



