لم تعد المبادئ والقيم الإنسانية ثوابت لا تقبل البيع والشراء؛ بل تحولت في زمننا هذا إلى مجرد بضاعة في “سوق النخاسة الفكرية”، تُعرض تحت مسمى واحد يختصر كل مآسي الواقع: “السبوبة”.
هذه الكلمة التي تجاوزت حدود التعبير الدارج، لتصبح نمط حياة ومهنة يعتنقها المتاجرون بكل شيء، من أدنى درجات الفساد الإداري إلى أعلى مراتب الخيانة الوطنية.
تبدأ القصة من خلف الشاشات الباردة، حيث تنشط منصات إعلامية مدعية — على غرار “متصدقش” وأخواتها — تمارس التدليس والتوجيه الممنهج تحت شعار “كشف الحقائق”، بينما المحرك الفعلي لها هو جني المشاهدات وتنفيذ أجندات الممولين من أعداء الوطن.
يتكامل هذا الدور اللئيم مع أصحاب “اللقطة” أمام السفارات في الخارج؛ أولئك الباحثين عن مجد شخصي أو لجوء سياسي أو حفنة دولارات، يرفعون شعارات رنانة ويدعون بطولات وهمية، وهم لا يدفعون من دمهم أو استقرارهم ثمنًا، بل يتاجرون بأوجاع أهل الداخل لتسويق أنفسهم كضحايا ومناضلين من فئة الفنادق.هذه المتاجرة ليست حكرًا على السياسة، بل تمتد لتنخر في أقدس ثوابت الأمة: الدين والوطن.
فبينما يستغل تجار الدين المشاعر الروحية للبسطاء لتمرير مصالحهم، يستغل تجار الوطنية صكوك الولاء لتقسيم المجتمع وإقصاء الشرفاء.
وعلى هوامش هذا المشهد، تبرز ظاهرتان متناقضتان في الشكل، ومتطابقتان في الجوهر الاستثماري: معارضة عدمية تعترض لمجرد الاعتراض والصراخ لتلفت الأنظار وتحجز مكانًا في سوق التمويل، وفي مقابلها جوقة “المطبلاتية” الذين يبررون كل فشل، ويصنعون من الإخفاقات انتصارات وهمية بلا منطق، حمايةً لمكاسبهم الخاصة وتثبيتًا لمواقعهم.
وإذا هبطنا من عالم الشعارات إلى أرض الواقع والمؤسسات، سنرى وجهًا آخر للسبوبة يتجلى في توزيع المناصب بالمحبة وخفة الدم. حيث يُستبعد أهل الكفاءة والضمير، ليعتلي الكراسي والحقائب التنفيذية أشخاص دفع بهم النفاق والواسطة.
يبقون في أماكنهم لفترات طويلة رغم فشلهم الذريع، لأن مهاراتهم الوحيدة تكمن في تقديم فروض الولاء وإرضاء المسؤولين.
هذا المناخ العفن يمثل الدفيئة الحقيقية لغياب الضمير، وانتشار الرشوة، وتمرير الفساد المالي والإداري الذي يدمر الأوطان من الداخل.
وليس ببعيد عن هذا العبث، تأتي المحافل الفنية والرياضية والترفيهية وندواتها ومهرجاناتها وحفلاتها، لتكشف بوضوح كيف تتدفق الملايين على المظاهر والوجاهة الاجتماعية الفارغة، بينما تُخفي الكواليس شبكات معقدة من المصالح المتبادلة والفساد المستتر، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى توجيه كل قرش نحو بناء الإنسان والنهوض الحقيقي بالوعي.
إنها منظومة متكاملة من الزيف، تجعل المرء يشك في كل كلمة تُكتب أو تُقال.
ولأن الصدق مع النفس هو أول خطوات التطهير، فإنني أقولها بلا مواربة: حتى مقالتي هذه، قد لا تخرج عن كونها “سبوبة” جديدة، كتبتها بحبر الكلمات المتقاطعة، انتظارا لأى جريدة او موقع محترم يدفع لي ثمنها وينشرها! فالكل بات يجري خلف غايته في هذا المشهد الممتد.
وليس لنا إلا أن نكل الأمر لصاحب الأمر، فنقول: لنا ولكم الله، فهو الأعلى والأعلم بالنوايا.



