حديثي اليوم عن الأسرة هو حديث عن تأزم هذه المؤسسة القاعدية والأساسية التي تشكّلت، على قاعدتها وعلى أرضيتها، مختلف المؤسّسات السياسية، منذ تنظيرات الفلسفة السياسية اليونانية القديمة.
لكن الحديث عن الأسرة في ظل العولمة وفي ظل التحولات الرقمية، يقود بكل تأكيد إلى ملاحظات حول التفكك الأسري وحول أزمة التواصل وحول العنف الذي يتسرب من خلال شبكات التواصل الاجتماعي…
مشكل الأسرة هو اليوم، مشكل فاقة، مشكل فقر، مشكل صعوبة كبرى في تعليم الأطفال والكلفة الباهظة لتعليم الأطفال، وهو يختزل أيضا مشكل المتاجرة في مجال التعليم وسوء الخدمات وسوء مستوى التعليم العمومي الحكومي…
كل هذا متفق حوله، كل هذا يعلمه الجميع؛ اكتساح المخدرات للفضاء المدرسي والفضاء المحيط بالمدرسة؛ العنف داخل الفضاء المدرسي، إشكالية سلطة المدرّس في فصله وفي فضائه التربوي…
كل هذا لا يخص أزمة الأسرة العربية فقط.
الأسرة العربية تواجه نفس تحديات الأسرة في مختلف بلدان العالم، من ذلك أن نسب الطلاق مرتفعة في مختلف البلدان العربية.
أرقام سنة ٢٠٢٤ ٢٠٢٦ ، في الكويت، في لبنان، في تونس هي تقريبا نفس الأرقام: نسب مرتفعة من الطلاق تشير أن هنالك أزمة معلنة وأزمة متفق حولها.
يبقى أن في المستوى الثقافي، في مستوى الوعي الإجتماعي، من أعلى نسب العنف ضد المرأة في العالم نجدها في فرنسا… لكن ما أردت التأكيد عليه هنا والإشارة إليه هو موضوع الأسرة العربية في تقاليدها.
الكل يعلم أن الأسرة العربية كانت متميزة بكونها أسرة عنقودية.
بمعنى أن الأصل أو الجذر هو من يحكم الإرث، ومن يحكم ميزانية الأسرة، من يوزّع المكاسب على الأسرة ومن يُحتكم إليه في القضايا الكبرى الحياتية، الأب والجدّ والتفرعات المنحدرة.
بالطبع هذا كان مكسبا هاما من مكاسب الأسرة العربية.
أكيد في بنية هذه الأسرة، بنية إقطاعية أكيد أن هذه البنية تقوم على الوصاية، أن هذه البنية ليست ديمقراطية.
أكيد أن هذه البنية تمنع حرية التصرف في المال الخاص الى حد كبير.
لكن، بقطع النظر عن الأشكال المتشنجة أو الأشكال الحادة أو المتصلبة لبنية هذه الأسرة التقليدية، كانت هنالك وراء هذا المظهر الواقعي والحقيقي من التسلّط، كانت هنالك أيضا أخلاق تضامنية.
كانت الأسرة كيانا موحّدا بإمكانات أوسع من الاسره الذّرّية.
الأسرة الذّرّية المتكونة من الزوج والزوجة، ضعيفة في محيط إجتماعي عنيف، غير مؤاتي وغير داعم.
ومقابل هذه الأسرة الضعيفة، التي تواجه كل اكراهات الحياة العصرية، حتى بالنسبة لتربية الأطفال، حتى بالنسبة لحاضنات أطفالها، هي في آخر الأمر، -مقارنة بالأسرة العنقودية، الأسره الكبرى إن صح التعبير-، هي أقل إمكانات وأضعف…
مبدأ التضامن يمكّن الأسرة، في شكلها التقليدي، الاسرة في بنيتها العنقودية، الأسرة في شكلها الاقطاعي، يمكنها من التضامن ويمكن من تحشيد الإمكانات ويمكن من مواجهة المخاطر.
وبالتالي كل ما يمكن أن يحصل في علاقة بالأسرة العنقودية، يواجَه بيُسر وبقوة أعلى من الأسرة الذرية.
هذا يعني أنه، ليس كل ما عندنا وليس كل ما لدينا من تقاليد وبنى، متخلف ومكروه ومنبوذ…
يعني في آخر الأمر أن الأسرة يمكن أن تتخذ شكلا عنقوديا متى كان هنالك مرجعا يُحتكم إليه؛ الجدّ، الأب أو الأخ الأكبر.
ومتى كان هنالك مجلس عائلة، تقاليد يمكن أن تصنع مجلس عائلة للنظر في قضايا الأفراد، مع احترام خصوصيه كل فرع من فروع هذه الأسرة، مع التأكيد على التضامن، التأكيد على التآزر في ظروف المحن في ظروف المرض، في ظروف الحرمان من الحرية والمخاطر الخارجية عامة، التي في المحيط.
كل هذا هام ويستوجب منا مزيدا من التفكير دون أن ننزلق إلى عطالة فكرية باسم ذلك المحرّم، محرّم الرّجعية والعودة إلى الوراء.
إذا ما اقتضى الأمر أن نعود إلى الوراء في أشياء ضرورية، فعلينا أن نباشر ذلك بمنطلق عقلاني ونقدي بعيدا عن العُقد.



