بقلم محسن الصفار
يكثر الجدل في العالم العربي حول ظاهرة تُعرف باسم “زواج القاصرات”، بين من يرفضها باعتبارها جريمة أخلاقية وإنسانية، وبين من يحاول تبريرها دينيًا أو اجتماعيًا، وكأننا ما زلنا نعيش في القرن السابع وننتظر عودة القوافل من الشام واليمن.
غالبًا ما يستند المؤيدون لهذا النوع من الزواج إلى الرواية الشهيرة المتعلقة بزواج الرسول ﷺ من السيدة عائشة بنت أبي بكر، ويعتبرونها مبررًا صالحًا لتزويج طفلة في الثامنة أو التاسعة من عمرها في القرن الحادي والعشرين، وكأن العالم منذ ذلك الزمن لم يخترع الكهرباء ولا المدارس ولا علم النفس ولا حتى شهادة الميلاد!
وعلى الرغم من وجود روايات وتحليلات تاريخية عديدة تشكك في عمر السيدة عائشة، ويرى بعض الباحثين أن عمرها ربما كان ثمانية عشر عامًا أو أكثر، إلا أننا حتى لو افترضنا جدلًا صحة الرواية التقليدية، فهل يعقل أن يصبح كل ما كان طبيعيًا قبل ألف وأربعمائة سنة صالحًا للتطبيق الحرفي اليوم؟
في ذلك الزمن كان متوسط العمر مختلفًا، وطبيعة الحياة مختلفة، ومسؤوليات الإنسان تبدأ مبكرًا جدًا.
أما اليوم، فالكثير من الشباب في العشرين ما يزال يسأل أمه أين وضعت له الجوارب، وبعضهم يحتاج إلى وصاية كي لا يحرق المطبخ أثناء إعداد الشاي.
ثم إن هناك فرقًا هائلًا بين فتاة في السادسة عشرة، وبين طفلة في الثامنة أو التاسعة تُنتزع من ألعابها لتجد نفسها زوجة لرجل قد يكون أكبر من أبيها، وربما من جدها أيضًا.
هنا لا نتحدث عن زواج، بل عن اختطاف لطفولة كاملة تحت غطاء شرعي واجتماعي.
والأغرب أن البعض يستدعي الماضي بشكل انتقائي جدًا.
فإذا قيل له إن العبودية كانت موجودة أيضًا في ذلك الزمن، وأن البيع والشراء بالبشر كان أمرًا شائعًا، سيغضب فورًا ويقول إن الزمن تغيّر وإن الإنسانية تطورت.
ممتاز… إذن لماذا يتوقف التطور فقط عند جسد الطفلة؟
إذا كنا نرفض اليوم استعباد الإنسان لأن الكرامة الإنسانية تطورت، فمن باب أولى أن نرفض تحويل طفلة إلى زوجة وأم قبل أن تفهم أصلًا معنى الحياة أو المسؤولية.
الطفل في التاسعة من عمره يُعتبر طفلًا، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
فلماذا نسمح للصبي أن يعيش طفولته ويلعب ويتعلم ويحلم، بينما نطالب الطفلة بأن تتحول فجأة إلى زوجة، وطباخة، ومربية أطفال، وربما “ست بيت” كاملة الدسم؟
المشكلة ليست فقط في النضوج الجسدي، بل في النضوج العقلي والنفسي والإدراك الحقيقي لمعنى الزواج والمسؤولية.
والزواج في جوهره عقد رضائي بين شخصين عاقلين مدركين، لا صفقة يوقعها ولي الأمر نيابة عن طفلة ما تزال تشاهد الرسوم المتحركة.
حتى من الناحية الشرعية، فإن من شروط صحة الزواج وجود الرضا والعقل والإدراك.
فكيف يمكن لطفلة في الثامنة أو التاسعة أن تمتلك وعيًا حقيقيًا يمكنها من اتخاذ قرار مصيري كهذا؟
إن حماية الطفولة ليست حربًا على الدين، بل دفاع عن الإنسان.
والزمن يتغير، وما كان يُفهم ضمن ظروف تاريخية معينة لا يمكن نسخه حرفيًا وإسقاطه على واقع مختلف تمامًا.
وإلا فسنضطر أيضًا للعودة إلى ركوب الجمال بدل السيارات، والتداوي بالحجامة بدل المستشفيات، وإرسال الرسائل مع الحمام الزاجل بدل الهواتف الذكية… طالما أن “كل ما كان قديمًا يجب أن يبقى كما هو”!


