الأحساء زهير بن جمعة الغزال
أوضح ذلك المهندس ماجد أبو زاهرة يحمل شهر أكتوبر 2026 مجموعة متنوعة من الظواهر الفلكية التي تجعل سماء الليل وجهة مثالية لعشاق الرصد والتصوير الفلكي.
فمن وصول كوكب زحل إلى حالة التقابل مع الشمس مروراً باقترانات القمر مع المريخ والمشتري وعبور المريخ أمام عنقود النثرة (خلية النحل) وصولًا إلى زخة شهب الجباريات المرتبطة ببقايا مذنب هالي يزخر الشهر بأحداث تستحق المتابعة.
كما يمثل أكتوبر فترة ممتازة لرصد عدد من أشهر النجوم والكوكبات السماوية حيث تبقى معالم الصيف بارزة في سماء المساء بينما تبدأ نجوم الشتاء بالظهور تدريجياً قبل الفجر إلى جانب إمكانية مشاهدة مجرة أندروميدا وعنقود الثريا وشريط درب التبانة في المواقع المظلمة البعيدة عن التلوث الضوئي. يصل كوكب زحل إلى حالة التقابل مع الشمس يوم 4 أكتوبر 2026 وهي من أفضل فرص السنة لرصده ويحدث التقابل عندما تقع الأرض بين الشمس وزحل تقريباً فيظهر الكوكب في الجهة المقابلة للشمس في السماء ونتيجة لذلك يشرق زحل مع غروب الشمس تقريباً ويبقى ظاهراً طوال الليل ويبلغ أعلى ارتفاع له فوق الأفق قرب منتصف الليل قبل أن يغرب مع شروق الشمس وخلال هذه الفترة يكون أيضاً قريباً نسبياً من الأرض مقارنة ببقية أوقات السنة إذ تبلغ المسافة الفاصلة بينهما نحو 8.43 وحدة فلكية أي ما يقارب 1.26 مليار كيلومتر ويمكن رؤية زحل بالعين المجردة كجرم لامع مائل إلى اللون الأصفر بينما يكشف التلسكوب الصغير حلقاته الشهيرة بوضوح وقد تظهر بعض أقماره كنقاط ضوئية صغيرة بالقرب منه ويفضل إجراء الرصد بعد ساعة أو ساعتين من غروب الشمس عندما يرتفع الكوكب بعيداً عن اضطرابات الغلاف الجوي القريبة من الأفق.
يعد عام 2026 مناسباً لرؤية حلقات زحل إذ أصبحت زاوية ميلها بالنسبة للأرض أكثر انفتاحاً مقارنة بالفترة القريبة من عبور مستوى الحلقات.
مثلث الصيف لا يزال يتألق على الرغم من دخول فصل الخريف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية فإن بعض أبرز معالم سماء الصيف تبقى واضحة خلال أمسيات أكتوبر ويبرز بينها مثلث الصيف الشهير المكون من ثلاثة نجوم لامعة هي: فيغا (النسر الواقع) في كوكبة القيثارة و النسر الطائر في كوكبة العقاب و ذنب الدجاجة في كوكبة الدجاجة.
أما في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية فيظهر مثلث الصيف منخفضاً فوق الأفق الشمالي بعد غروب الشمس.
وفي المقابل يظهر الدب الأكبر منخفضاً في السماء الشمالية الغربية بالنسبة للمناطق الشمالية مع ملاحظة أن “المغرفة الكبرى” ليست كوكبة مستقلة بل تشكيلاً نجمياً بارزاً ضمن كوكبة الدب الأكبر.
مع تقدم ساعات الليل يمكن للراصدين في النصف الشمالي مشاهدة كوكبة الفرس الأعظم (بيغاسوس) التي يظهر جزء منها على هيئة مربع نجمي كبير وبالقرب منها تقع مجرة أندروميدا (المرأة المسلسلة) وهي أقرب مجرة حلزونية كبيرة إلى مجرتنا درب التبانة وتبعد أندروميدا نحو 2.5 مليون سنة ضوئية ويمكن رؤيتها بالعين المجردة من المواقع المظلمة كتوهج ضبابي خافت بينما تكشف المناظير والتلسكوبات الصغيرة تفاصيل أوضح لبنيتها وتكمن روعة هذا المشهد في أن الضوء الذي نراه اليوم غادر المجرة قبل ملايين السنين ليصل إلينا في الوقت الحاضر.
في وقت لاحق من الليل يطل عنقود الثريا من الأفق الشرقي في النصف الشمالي ومن جهة الشمال في النصف الجنوبي.
ويعرف أيضاً باسم “الشقيقات السبع” وهو عنقود نجمي مفتوح يتكون من نجوم شابة نشأت من المادة نفسها قبل أكثر من مئة مليون سنة ويقع العنقود على بعد يزيد قليلًا على 400 سنة ضوئية من الأرض ويمكن رؤية عدد من نجومه بالعين المجردة بينما تكشف المناظير والتلسكوبات الصغيرة عشرات النجوم الإضافية وتظهر في الصور الفلكية طويلة التعريض سحب زرقاء تحيط به وهي سديم انعكاسي يعكس ضوء نجوم العنقود أثناء مروره حالياً عبر سحابة من الغاز والغبار بين النجمي.
تظل درب التبانة من أجمل أهداف الرصد خلال ليالي أكتوبر خاصة من المناطق الصحراوية البعيدة عن أضواء المدن ويظهر شريطها كوهج خافت ممتد عبر السماء لكنه في الحقيقة الضوء المجمع لمليارات النجوم الموجودة في قرص مجرتنا وتبدو المنطقة المركزية للمجرة أوضح من النصف الجنوبي للكرة الأرضية حيث تساعد كوكبة القوس ونمط “إبريق الشاي” الشهير في تحديد موقع مركز المجرة وعند الرصد بالأشعة تحت الحمراء أو الموجات الراديوية تظهر تفاصيل مختلفة تماماً بما في ذلك سحب الغاز والغبار والأجرام غير المرئية للعين البشرية.
يتزامن أكتوبر 2026 مع بداية شهر جمادى الأولى 1448هـ حيث توافق غرة الشهر يوم الاثنين 12 أكتوبر وفق التقويم الهجري الحسابي ويصل القمر إلى طور البدر يوم 26 أكتوبر وهو البدر المعروف تقليدياً باسم “قمر الصياد” ويعد هذا الاسم جزءا من التراث الشعبي والثقافي ولا يرتبط بأي تغير فيزيائي خاص بالقمر نفسه.
وخلال فترة البدر يزداد سطوع سماء الليل ما يؤثر في رؤية الأجرام الخافتة مثل المجرات والسدم ودرب التبانة في حين تظل الكواكب والنجوم اللامعة أهدافًا جيدة للرصد.
يبدأ الشهر بمشهد صباحي جميل حيث يواصل المريخ والمشتري الظهور في سماء ما قبل الفجر ويبدو المشتري أكثر لمعاناً بينما يحتفظ المريخ بلونه البرتقالي المحمر المميز.
وفي 5 أكتوبر يمر القمر بالقرب من المريخ ثم يقترب من المشتري في 6 أكتوبر ومن بعض مناطق العالم سيحدث احتجاب قمري للمشتري حيث يمر القمر أمام الكوكب ويحجبه موقتاً عن الأنظار بينما ستشاهد مناطق أخرى اقتراناً قريباً فقط وذلك وفقاً لموقع الراصد الجغرافي.
إن من أجمل مشاهد الشهر عبور المريخ أمام عنقود النثرة المعروف أيضاً باسم خلية النحل في كوكبة السرطان.
وخلال الفترة من 11 إلى 13 أكتوبر تقريباً سيظهر الكوكب الأحمر وسط نجوم العنقود مشكلاً منظراً رائعاً يمكن متابعته باستخدام المنظار أو التلسكوب الصغير ويمثل هذا الحدث فرصة مثالية لملاحظة الحركة الظاهرية للكواكب، ك إذ تبدو النجوم ثابتة حً بالنسبة لبعضها بينما يتغير موقع المريخ بوضوح من ليلة إلى أخرى نتيجة حركته المدارية حول الشمس.
مع اقتراب نهاية الشهر يبدأ كوكب الزهرة في الظهور بوضوح في سماء الفجر حيث يسطع منخفضاً فوق الأفق الشرقي إلى الجنوبي الشرقي قبل شروق الشمس وينبغي توخي الحذر عند محاولة رصده باستخدام المنظار أو التلسكوب نظراً لقربه الظاهري من الشمس فالتوجيه الخاطئ للأدوات البصرية نحو الشمس قد يسبب أضراراً دائمة للعين لذلك ينصح بالاكتفاء برصده بالعين المجردة ما دامت الشمس تحت الأفق.
يشهد أكتوبر نشاط عدد من زخات الشهب السنوية وفي مقدمتها زخة التنينيات التي تنشط بين 6 و10 أكتوبر وتبلغ ذروتها ليلة 8-9 أكتوبر وعلى الرغم من أنها زخة متواضعة بمعدل يقارب خمسة شهب في الساعة فإنها تمتاز بإمكانية رصدها في ساعات المساء خلافاً لمعظم الزخات الأخرى التي تتحسن رؤيتها قبل الفجر وتنتج هذه الشهب عن الحطام الذي خلفه المذنب 21P/جياكوبيني-زينر كما أن ظروف الرصد هذا العام ستكون جيدة بسبب قرب القمر من طور المحاق.
كما تنشط الثوريات الجنوبية خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر وتتميز بشهبها البطيئة واحتمال ظهور كرات نارية لامعة بين الحين والآخر وتشير التوقعات إلى أن ذروتها الرئيسية ستكون في أوائل نوفمبر مع نشاط ملحوظ خلال أكتوبر.
أما الحدث الأبرز فهو زخة شهب الجباريات التي تبلغ ذروتها ليلة 21-22 أكتوبر ويصل معدلها النظري إلى نح و 20 شهاباً في الساعة تحت ظروف رصد مثالية.
تكتسب هذه الزخة أهمية خاصة لأنها ناتجة عن بقايا المذنب الشهير 1P/هالي وعندما تمر الأرض عبر السحابة الغبارية التي خلفها المذنب تدخل الجسيمات الدقيقة الغلاف الجوي بسرعات هائلة فتحترق مكونة الخطوط الضوئية السريعة التي نعرفها باسم الشهب.
غير أن ضوء القمر المتزايد في عام 2026 سيؤثر في رؤية الشهب الخافتة لذا ستكون أفضل أوقات الرصد خلال الساعات الأخيرة من الليل وقبل الفجر.
لا تحتاج معظم ظواهر أكتوبر إلى معدات متقدمة فكثير منها يمكن مشاهدته بالعين المجردة بينما تضيف المناظير مزيداً من المتعة عند رصد الثريا والنثرة ويكشف التلسكوب الصغير حلقات زحل وأقماره وبعض التفاصيل الإضافية ويبقى العامل الأهم لنجاح الرصد هو الابتعاد عن أضواء المدن واختيار موقع مظلم وسماء صافية مع منح العين نحو 20 دقيقة للتكيف مع الظلام.
ومع استمرار ظهور بعض معالم الصيف وبداية بروز نجوم الشتاء يوفر أكتوبر 2026 تجربة فلكية ثرية تمتد طوال الشهر.
فما عليك إلا أن ترفع رأسك نحو السماء فهناك دائماً شيء جديد يستحق المشاهدة.



