قبل ثمانية أشهر من انتخابات نقابة الصحفيين، المقرر إجراؤها في مارس 2027، بدأت التحالفات تتشكل وتتجدد المنافسات داخل النقابة، التي تُعد إحدى أعرق المؤسسات المهنية في مصر.
والحقيقة أنه بعد فوز خالد البلشي بولاية ثانية العام الماضي، عاد الحديث مبكرًا عن “معركة النقيب”، التي طالما كانت أكثر من مجرد انتخابات نقابية، بل ساحة تعكس توازنات الوسط الصحفي، وعلاقته بالدولة، ومستقبل المهنة في ظل التحديات الاقتصادية والمهنية والسياسية.
تأسست نقابة الصحفيين المصريين في 31 مارس 1941، بموجب القانون رقم 10 لسنة 1941، بعد عقود من النضال المهني الذي بدأ في عشرينيات القرن الماضي على يد الرواد الأوائل.
وعلى مدار أكثر من 85 عامًا، شكّلت النقابة صوتًا للدفاع عن حرية الصحافة، وكانت شاهدة على مختلف التحولات السياسية في مصر، من الملكية إلى الجمهورية، مرورًا بثورتي 1952 و2011، وصولًا إلى أحداث 2013.
وظلت النقابة، التي تُعرف بـ«قلعة الحريات»، تحافظ على قدر من الاستقلالية في مواجهة محاولات السيطرة من مختلف التيارات، سواء اليسارية أو الناصرية أو القومية، وهو ما جعل مقعد النقيب دائمًا ذا أبعاد سياسية وإعلامية كبيرة.
وفي الانتخابات الماضية، فاز خالد البلشي، صاحب التوجهات المستقلة واليسارية، بولاية ثانية بنسبة 55% من الأصوات، بعدما حصل على 3346 صوتًا مقابل 2562 لعبد المحسن سلامة.
وشهدت الانتخابات إقبالًا كبيرًا بلغ 59%، واعتبرها كثيرون رسالة واضحة من الجمعية العمومية تدعم توجهًا أكثر استقلالية داخل النقابة.ومع ذلك، لم يهدأ الوسط الصحفي.
فمنذ اليوم التالي لإعلان النتائج، بدأت مجموعات وتحالفات — يضم بعضها زملاء محترمين من الفريق الخاسر — الاستعداد مبكرًا لمعركة 2027.
وهذا الاستعداد يعكس أهمية المقعد، لكنه يثير أيضًا تساؤلات حول مستقبل العمل النقابي: هل سيتحول إلى صراع شخصي دائم، أم سيبقى أداة لخدمة الصحفيين؟
والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن معركة النقيب، رغم جاذبيتها الإعلامية والسياسية، لا تمثل كل النقابة، فهناك مقاعد أخرى لا تقل أهمية، منها: السكرتير العام (الأمين العام): وهو الدينامو الإداري الحقيقي، الذي يدير الملفات اليومية المرتبطة مباشرة بحياة الصحفيين.
رئيس لجنة القيد: من أخطر المواقع داخل النقابة، لأنه يتحكم في “بوابة” العضوية ومستقبل المهنة.
أمين الصندوق: المسؤول عن الإعانات والقروض والرعاية الاجتماعية والدعم المالي للزملاء وأسرهم.
فالنقيب هو الواجهة الرسمية والمتحدث باسم النقابة أمام مؤسسات الدولة، لكن العمق الإداري والخدمي الحقيقي يكمن في باقي أعضاء المجلس.
وفي المقابل، تواجه النقابة خلال الفترة المقبلة ملفات شائكة، من أبرزها: تحسين الأوضاع المادية للصحفيين في ظل الأزمة الاقتصادية، والدفاع عن الحريات، والتعامل مع ملف الصحفيين المحبوسين.
كما تظل قضية تطوير لائحة القيد وميثاق الشرف الصحفي لمواكبة عصر الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي من القضايا الملحة، إلى جانب مشروع بناء مدينة للصحفيين وتوفير سكن مناسب للأعضاء.
ودائمًا ما تولي الحكومات المتعاقبة اهتمامًا خاصًا بانتخابات النقابة، سواء على مقعد النقيب أو العضوية، لما تحمله من أبعاد سياسية وإعلامية، لكن الكلمة الأخيرة تبقى للجمعية العمومية، أي للصحفيين أنفسهم.
لذلك، فإن معركة 2027 لن تكون مجرد تنافس على مقعد، بل اختبارًا لقدرة الوسط الصحفي على تجاوز الانقسامات والتركيز على المصالح المشتركة.
ويجب أن تكون المنافسة بناءة، تحترم إرادة الجمعية العمومية، وتضع مصلحة الصحفي المصري — مهما اختلفت توجهاته — في المقدمة.
فالنقابة ملك لأعضائها، وليست ساحة لتصفية الحسابات أو فرض الوصاية.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الصحفيين وقدرتهم على اختيار من يمثلهم بصدق في المعركة القادمة.



