ياسر السجان يكتب عن الضغط الرقمي الذي يسكن بيوتنا الهاتف لم يعد أداة في اليد صار امتدادا لليد والعين والعقل والوقت والشاشة لم تعد نافذة نطل منها على العالم صارت بابا مفتوحا يدخل منه العالم كله إلى غرفة نومنا وإلى طاولة طعامنا وإلى جلسة عائلتنا وإلى لحظة صمتنا والإشعار صار سيد الوقت والرنة صارت أمرا لا يرد والتمرير صار عادة أقوى من العادة وصار الإنسان يفتح عينه على ضوء الشاشة ويغلقها على ضوء الشاشة وما بين الفتح والإغلاق يوم كامل من التنبيهات والرسائل والمقاطع والتعليقات والصور والمقارنات والصراخ الصامت والضغط الرقمي لا يأتي من جهاز واحد بل من جبهات متعددة تفتح في وقت واحد.
فهناك عمل يطلب رد الآن وهناك مجموعة عائلة تسأل أين أنت وهناك خبر عاجل يطلب رأيك وهناك مقطع يقول لك شاهد قبل الحذف وهناك إعلان يلاحقك من تطبيق إلى تطبيق.
وهناك صديق يرسل نكتة وهناك زميل يرسل ملفا وهناك غريب يرسل طلب صداقة وهناك منصة تذكرك أنك لم تنشر منذ يومين وكأن الصمت صار جريمة وكأن الغياب صار خيانة والنتيجة عقل مفتوح على عشرين نافذة ولا نافذة واحدة مكتملة وتركيز ممزق بين تنبيه وتنبيه ونوم متقطع بسبب ضوء أزرق لا يسمح للنوم أن ينتظم وقلق دائم من تفويت شيء مهم وملل سريع من أي شيء لا يتحرك ولا يومض ولا يصرخ وإحساس مزمن أن الوقت يضيع وأن العمر يتسرب من بين الإصبع والإبهام ونحن نمرر ونمرر ولا نصل والأخطر أن الضغط الرقمي صار يصنع معايير جديدة للنجاح وللقيمة وللجمال وللسعادة فصار عدد المتابعين أهم من عدد الأصدقاء وصار شكل الحياة في الصورة أهم من طعم الحياة في الواقع وصار ما يقوله الغرباء عنك أهم مما تقوله أنت لنفسك وصار الإنسان يقيس يومه بعدد الإعجابات لا بعدد الإنجازات ويقيس رضاه بمستوى التفاعل لا بمستوى الرضا الداخلي ويقيس قربه من الناس بعدد المحادثات لا بعمق المحادثة والأسباب وراء هذا الضغط ليست خفية أولها أن النموذج الاقتصادي للتطبيقات قائم على خطف الانتباه فكل دقيقة تقضيها هناك تساوي مالا وكل ثانية تنصرف فيها تساوي خسارة.
ولذلك تصمم الخوارزميات لتبقيك وتغريك وتفاجئك وتقلقك وتدفعك للعودة وثانيها أن الإنسان بطبعه يخاف الفقد ويخاف العزلة فإذا قال له التطبيق إن هناك شيئا يحدث الآن وإن الجميع هناك إلا أنت فسيعود راكضا وثالثها أن العمل صار يطاردنا بعد ساعات الدوام لأن البريد لا يغلق والمجموعات لا تنام والمدير يرسل في منتصف الليل ويتوقع رد في الفجر والحل لا يكون بكسر الهاتف ولا بالهروب إلى كهف الحل يكون بترسيم الحدود بين الزمن الرقمي والزمن الإنساني وبين المساحة العامة والمساحة الخاصة وبين ما هو عاجل وما هو مهم فليس كل تنبيه يستحق أن يقطع تفكيرك وليس كل رسالة تستحق أن تكسر خلوتك وليس كل مقطع يستحق أن يسرق نومك.
والبداية من إعدادات بسيطة تغلق الإشعارات غير الضرورية وتحدد ساعات للرد على البريد وتترك الهاتف خارج غرفة النوم وتخصص وقتا للعائلة بلا شاشة ووقتا للقراءة بلا تمرير ووقتا للمشي بلا سماعة ووقتا للصمت بلا محتوى والحل أيضا في وعي جماعي يفهم أن الإنتاجية لا تعني الاتصال الدائم وأن الرد السريع ليس دليلا على الكفاءة وأن الاحترام يبدأ باحترام وقت الناس وخصوصيتهم وأن الشركة التي تحمي موظفيها من الاحتراق الرقمي تربح ولاءهم وعقولهم لا مجرد حضورهم والحل يحتاج إلى تربية جديدة تعلم الصغار أن الشاشة أداة لا سيد وأن المتعة ليست كلها في بكسل يتحرك وأن الصبر قيمة وأن الملل مساحة يولد فيها الخيال وأن الكتاب لا يزال يملك سحرا لا تملكه المقاطع القصيرة وأن الحوار مع إنسان حي أغنى من ألف تعليق والضغط الرقمي سيبقى ما بقيت الشبكة وما بقيت الشركات تتنافس على وقتك لكن أنت تملك زر الإغلاق والغد الهادئ لا يأتي من عالم بلا إنترنت بل يأتي من إنسان يعرف متى يتصل ومتى ينفصل ومتى يفتح الشاشة ومتى يفتح النافذة الحقيقية وينظر إلى السماء بلا فلاتر ويسمع صوت من يحب بلا تقطيع ويعيش اللحظة بلا توثيق والتكنولوجيا ستبقى تتطور والشاشات ستبقى تلمع لكن الميزان في يدك أنت فإما أن تستخدمها لتبني عالما أوسع أو تتركها لتسرق منك العالم الذي تملكه.



