بقلم الإعلامي خالد سالم
أصبحت ظاهرة الكلاب الضالة في الشوارع من القضايا التي تشغل الرأي العام في مصر، لما تسببه من مخاوف تتعلق بالسلامة العامة، وانتشار بعض الأمراض، وحوادث الهجوم على المارة، خاصة الأطفال وكبار السن.
وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه المشكلة يفرض علينا البحث عن حلول متوازنة تجمع بين حماية المواطنين والالتزام بالمعايير الإنسانية في التعامل مع الحيوانات.
ولعل من الإنصاف الإشارة إلى أن الدولة المصرية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الأزمة، بل تبنت خلال السنوات الأخيرة برامج لتعقيم الكلاب الضالة وتطعيمها بالتعاون مع الجهات البيطرية المختصة وبعض مؤسسات المجتمع المدني.
وتستهدف هذه البرامج الحد من التكاثر العشوائي وتقليل أعداد الكلاب تدريجياً بطريقة علمية تتوافق مع المعايير الدولية الحديثة.
وقد أثبتت التجارب العالمية أن الحلول القائمة فقط على التخلص من الكلاب لا تحقق نتائج دائمة، لأن الفراغ الذي تتركه سرعان ما تملؤه مجموعات جديدة من الكلاب نتيجة استمرار التكاثر وتوافر مصادر الغذاء.
لذلك اتجهت دول عديدة إلى برامج التعقيم والتطعيم وإنشاء الملاجئ وتنظيم عمليات التبني باعتبارها حلولاً أكثر استدامة.
في تركيا والهند وعدد من الدول الأخرى، حققت برامج التعقيم الجماعي نتائج إيجابية في السيطرة على نمو أعداد الكلاب الضالة، خاصة عندما اقترنت بالتوعية المجتمعية والتشريعات المنظمة لاقتناء الحيوانات الأليفة ومنع التخلي عنها في الشوارع.
ومن هنا، فإن مواجهة المشكلة في مصر تحتاج إلى تطوير رؤية متكاملة تقوم على عدة محاور؛ أولها التوسع في برامج التعقيم والتطعيم، وثانيها إنشاء مراكز إيواء حديثة في المحافظات المختلفة، وثالثها فرض رقابة صارمة على عمليات التخلي عن الحيوانات المنزلية التي تتحول لاحقاً إلى جزء من أزمة الشارع.
كما يمكن دراسة حلول غير تقليدية مطبقة في بعض الدول، من بينها تنظيم برامج لتصدير الكلاب إلى الخارج بالتعاون مع منظمات الرفق بالحيوان الدولية والملاجئ الأجنبية التي تبحث عن حيوانات للتبني.
فهناك دول أوروبية وأمريكية تشهد إقبالاً كبيراً على تبني الكلاب، ويمكن أن يساهم التعاون المنظم والقانوني في نقل أعداد من الكلاب إلى بيئات توفر لها الرعاية المناسبة، مع الالتزام الكامل بالاشتراطات الصحية والبيطرية الدولية.
ورغم أن هذا الحل لا يمكن أن يكون بديلاً عن التعقيم والسيطرة المحلية على الأعداد، فإنه قد يمثل جزءاً من منظومة متكاملة لتخفيف الضغط في المناطق التي تشهد كثافات مرتفعة.
كذلك لا يمكن إغفال دور المجتمع المدني وجمعيات الرفق بالحيوان التي تمتلك خبرات مهمة في مجالات الإنقاذ والعلاج والتبني والتوعية، وهي شريك أساسي في أي خطة ناجحة لمعالجة الظاهرة.
أما المواطن نفسه، فهو جزء من الحل. فالتعامل المسؤول مع الحيوانات الأليفة، وعدم التخلي عنها، والحفاظ على نظافة الشوارع والتخلص السليم من المخلفات، كلها عوامل تساعد في الحد من تفاقم المشكلة.
إن قضية الكلاب الضالة ليست مجرد قضية حيوانات تجوب الشوارع، بل هي ملف يرتبط بالصحة العامة والأمن المجتمعي والصورة الحضارية للدولة.
والتجارب العالمية تؤكد أن النجاح لا يتحقق بالحلول المؤقتة أو الانفعالية، وإنما من خلال استراتيجية طويلة المدى تقوم على العلم والتنظيم والتعاون بين الدولة والمجتمع.
ويبقى السؤال: ماذا نفعل بكلابنا؟
الإجابة ليست في المواجهة مع الحيوان، بل في إدارة المشكلة بحكمة. فالتعقيم والتطعيم والإيواء والتبني، إلى جانب دراسة فرص التصدير القانوني المنظم إلى الدول الراغبة في استقبال الحيوانات للتبني، كلها أدوات يمكن أن تساعدنا في الوصول إلى شوارع أكثر أماناً، وفي الوقت نفسه تعكس الوجه الحضاري والإنساني لمصر.
خالد سالم
إعلامي وكاتب صحفي.



