بقلم الإعلامي خالد سالم
في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وتداخلت فيه الحدود بين الإعلام والترفيه، وبين المهنية والشهرة، أصبح من الضروري أن نتوقف أمام سؤال بالغ الأهمية: إلى أين تتجه نقابة الإعلاميين؟
ومن هم الإعلاميون الذين ينبغي أن يمثلوا المهنة ويحملوا مسؤولية الدفاع عنها؟
لقد أصبحنا نعيش عصرًا جديدًا، تتصدر فيه وسائل النميمة الاجتماعية المشهد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميهم «خبراء الترددات المفتوحة المفضوحة»، ممن يمتلكون القدرة على جذب المتابعين، واستقطاب الهدايا، وتحقيق الشهرة في ساعات، دون أن يمروا بالضرورة عبر بوابات التأهيل المهني أو الالتزام بالقواعد التي تحكم العمل الإعلامي.
وهنا، لا بد أن نطرح رؤية استشرافية للمستقبل، ربما تكون صادمة للبعض، لكنها تستحق النقاش: لماذا لا نفتح أبواب نقابة الإعلاميين أمام زملاء المستقبل من البلوجر والفلورنسر وملوك الهدايا والترددات؟
ولماذا لا يكون نقيب الإعلاميين القادم واحدًا من هؤلاء الذين استطاعوا أن يحولوا البث المباشر إلى ساحة جماهيرية، وأن يجعلوا من الهدايا الافتراضية مصدرًا للشهرة والثراء، ومن الترددات المفتوحة منصة لتبادل الأسرار والفضائح والمشاحنات؟
ولماذا لا نرى مجلس إدارة النقابة في المستقبل مكونًا من نجوم البث المباشر، وأصحاب الملايين من المتابعين، وخبراء صناعة الترند، ممن يستطيعون أن يحققوا للنقابة انتشارًا لم تحققه البيانات الرسمية ولا المؤتمرات التقليدية؟
قد يبدو هذا الطرح ساخرًا، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة حقيقية في تعريف الإعلامي، وفي تحديد الفارق بين من يمارس الإعلام باعتباره مهنة ورسالة، وبين من يمارس الشهرة باعتبارها غاية ومصدرًا للدخل.
فهل عدد المتابعين أصبح معيارًا للكفاءة المهنية؟
وهل القدرة على استقطاب الهدايا الافتراضية تمنح صاحبها الحق في تمثيل الإعلاميين؟
وهل كل من امتلك هاتفًا وكاميرا وفتح بثًا مباشرًا أصبح إعلاميًا بالضرورة؟
إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، والمؤثرون الرقميون يمثلون قوة إعلامية واجتماعية حقيقية، ومن حق النقابة أن تدرس كيفية التعامل معهم، وأن تضع ضوابط واضحة للعضوية بما يتناسب مع تطور المهنة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتشار إلى بديل عن المهنية، وتصبح الشهرة معيارًا للعضوية، ويختلط مفهوم الإعلامي بمفهوم صانع المحتوى، دون تمييز بين طبيعة كل منهما ومسؤولياته.
ولعلنا نتذكر أحد أجمل أفلام المخرج العالمي يوسف شاهين، فيلم «باب الحديد»، وتلك العبارة الشهيرة التي ارتبطت بشخصية قناوي: «انزل يا قناوي، لازم تلبس القميص، فرحك على هنومة النهارده!» وكأننا اليوم أمام مشهد جديد من باب الحديد، لكن العريس هذه المرة هو الإعلام، والعروس هي الشهرة، والقميص الذي يجب ارتداؤه هو قميص المهنية والمسؤولية.
فهل سنجد أنفسنا يومًا أمام مشهد نقابي جديد، يقال فيه للإعلاميين التقليديين: انزلوا من المشهد، فقد جاء زمن البلوجر والفلورنسر وملوك الهدايا؟
أم أن نقابة الإعلاميين ستتمسك برسالتها، وتفتح أبواب التطوير دون أن تتنازل عن المعايير المهنية التي قامت من أجلها؟
إن المستقبل لا يُصنع برفض التطور، ولا بقبول كل ما يفرضه الواقع دون مراجعة.
المستقبل الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجمع بين أدوات العصر وقيم المهنة، وبين الانتشار والمسؤولية، وبين حرية التعبير واحترام المجتمع.
نقابة الإعلاميين ليست مجرد بطاقة عضوية، ولا منصة للحصول على الشهرة، وإنما كيان مهني يفترض أن يحمي الإعلاميين، ويصون قيمة الرسالة الإعلامية، ويضع حدودًا واضحة بين الإعلام المسؤول والفوضى الرقمية.
وإذا كان من حق البلوجر والفلورنسر أن يحلموا بعضوية النقابة، فمن حق الإعلاميين أيضًا أن يسألوا: ما الذي سيبقى من المهنة إذا أصبحت الشهرة وحدها هي المعيار؟
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس من سيجلس على مقعد النقيب في المستقبل، وإنما: هل سيظل هذا المقعد رمزًا للمهنية والمسؤولية، أم سيتحول إلى عرش جديد لملوك الترند والترددات المفتوحة؟
انزل يا قناوي… القميص جاهز، لكن هل فرح الإعلام على المهنية، أم على الشهرة؟



