لم أعد أملك ما يغري على البقاء معي… منهكة أنا من الحزن بما يكفي، للدرجة التي تدفعني أن أكتب في مذكراتي بخط أعوج، حتى لا يفهمه أحد غيري.
ثم إني أملك لعنة الصمت، تلك التي جعلتني صامتة طوال الوقت، حتى في أشد المواقف التي تستدعي الحديث.
يجذبني الصمت بقوة، حيث لا جدوى من الكلمات.
لذلك كنت أختار الصمت عن قناعة، في حين يعتقد من حولي أنه خطة بديلة… أو خدعة.
لم يعد لدي ما يكفي من المال، إلا لشراء قطعة من الخبز.
تقتلني نوبات اكتئابي وخوفي، ذلك لأنني واحدة من ضحايا الفقد المفاجئ.
وآه لو علموا ماذا يفعل بنا الفقد المفاجئ!
إنه ذلك الذي يجعلنا بلا مأوى، بلا أرض، وبلا أمل، بلا وطن.
في منتصف الطريق، حين حاولت أن أمد يدي إلى الضوء، اكتشفت أنني أمسك بالفراغ، أصرخ داخل بئر عميق، ولا صدى يرد.
لقنونا أن الوحدة غياب الآخرين، ولم يدركوا أنها قد تكون حضورهم الكثيف، وعجزهم جميعًا عن رؤيتك؛ أن تعيش بينهم كظل زائد عن الجدار، أو نغمة مكسورة وسط سيمفونية حزينة.
أراقب وجهي في المرآة، فأرى قافلة من النساء اللاتي عبرن مني وإلي: طفلة تخبئ الدهشة في جيبها، وفتاة تصدق الوعود كلها، وامرأة تلملم شظايا روحها كمن يلملم الزجاج بيدين عاريتين.
أخاف أحيانًا أن أتحول إلى ذاكرة قبل أن أغادر، إلى أثر خافت يمشي على قدمين، ويحاول أن يثبت للعالم أنه ما زال ينبض.
الزمن حيوات صغيرة تتكسر في داخلنا، كلما سقط عمر منا، أضفنا إلى أرشيف الروح وثيقة جديدة عن الخسارة.
وفي عمق التأمل، راودني سؤال لم أجد له آخرًا:هل نحن إلا الأثر الذي يتركه الوجود في عبوره بنا؟
وهل الزمن يمضي فعلًا، أم نحن الذين نتساقط منه واحدًا بعد آخر؟
أهو الغياب الذي يصنع المعنى، أم أن الأشياء لا تصبح حقيقية إلا بعد أن نفقدها؟
وإذا كان الفناء خاتمة كل شيء، وإذا كان كل شيء سيتلاشى، فهل الصمت نفسه ليس سوى شهادة على ما كان؟
ثم وجدت نفسي، أقف على حافة هذه الهاوية، أمسك بالقلم كما يمسك المرء بآخر أطواق النجاة.
أعيد ترتيب الحروف، أعيد رسم الليل والنهار، وأعلم أن الكتابة هي الملاذ الأخير الذي لن يخذلني.
ألقي بأثقالي في الحروف، فالحزن كائن مهاجر، إن لم يجد صفحة يقيم فيها، أقام في القلب إلى الأبد.
ذلك الذي يجذبنا من أعلى هضاب السعادة والأمان، إلى أعمق بؤر الخوف والحزن.
أه…ونسيت أن أخبركم شيئًا آخر…أملك أيضًا موسوعة موسيقية فريدة، حتمًا ستلقى استحسانًا يومًا ما.
ثم إني أجيد الكتابة…سأكتب كل صباح ومساء، وإن مللت يومًا، سأتعلم الكتابة من جديد.
سأعيد صياغة حروفي حتى أرضى عنها.
والآن…أضع هذه الصفحة في درج العالم المهمل، وأمضي.
فإن عثر أحد عليها يومًا، فلن يجد نصًا، سيجد بصمات روح أرهقها الطريق، وحاولت طويلًا أن تهزم الصمت بالصمت.



