عاشوراء ١٤٣٨.. اكتوبر ٢٠١٦
رحمة الله عليكي يا امي..
فى مثل هذا اليوم العاشر من محرم يوم عاشوراء ولكن لعام ١٤٣٨ الموافق الحادي عشر من اكتوبر لعام ٢٠١٦… هاتفني شقيقي الاصغر فى الساعة التاسعة صباحا ليبلغنى بان والدتى حالتها حرجه جدا وفى حاجه لنقلها للمشفى باقصى سرعه ..
وفى المعتاد في مثل هذه المواقف كنت ابادر بالتحدث الى سياره الاسعاف على الفور وابدا فى خطوات نقلها وانا ارتدى ملابسي ..
ولكن هذه المره عجزت جوارحي على اجراء اى خطوه ولم ينطق لسانى الا بجمله واحده وهى “البقاء لله” دون ان اشعر وكانه انطقه الذى انطق كل شى لدرجة اننى تعصبت مما ينطق به لسانى ولم استطع منعه ..
فى خلال دقائق كنت فى سيارتى وقلبي يؤكد ليه ان والدتى فارقة الحياه ولكن عقلى يابي ان يتقبل هذا الامر .. وصلت الى المنزل وقدمي يتراجعن للخلف وكانهم يرفضون الصعود الى منزل الاسره ولكننى كنت ادفعهم للامام ..
وانا فى المصعد كان بجوارى طبيب تم استعائه من قبل والدى للكشف على والدتى .. خرجت من المصعد فوجدت باب الشقه مفتوح ووالدى يجلس بالداخل وبجواره شقيقي والممرض المرافق لوالدتى .. واذا بالطبيب يدخل معى المنزل ويبدا فى الكشف ..
وقفت بجوار الطبيب وعندما بدا فى الكشف قاطعته ويسرت له الامر ولم ادعه يكمل مهمته التى حضر من اجلها ..
فقد كانت عيناي والدتى مغلقتان فقمت بفتح احداهما وسلطت عليها ضوء كشاف الهاتف المحمول فاذا بحدقة العين مستقره لاتتحرك فعلمت انها وافتها المنيه .. فنظر اليه الطبيب وقال البقاء لله ..
لم اعلم ولا ادى ولن ولم اتخيل كيف ومن اين رزقنى الله هذا القدر من التقبل والرضا التام بمعنى الكلمه بل وتحولت فى لحظه الى شخص يباشر عمله وينهى ماموريه هو مكلف بها ..
وبكل هدوء طلبت من والدى وشقيقي تقبل الامر وعلى من لا يطيق التحمل ان ينصرف حتى لا يعرقل اداء اهم مهمه فى حياتى وهى التعامل مع الامر بالشكل الشرعى الكامل باذن الله والبعد كل البعد عن اى خطئ شرعى من بدع او اقوال او افعال غير مسؤوله تضر بوالدتى او تؤثر عليها ..
هذه اول مره اكتب عن وفاة والدتى والاغرب اننى حتى هذا اليوم لم تدمع عيني على الاطلاق .. ولا اعلم ايضا كيف هذا ..
ورغم ان ما اقصه عليكم كان فى غصون دقائق لا تتعدى الساعات الا انها كانت بالنسبه ليه سنوات طويله تمر بمنتهى الصعوبه.. وبعد ان تحجرت عيني عن الدموع بدات فى تنفيذ مهمتى وبكل هدوء عودت الى منزلي لاتداء ملابس مناسبه شرعا للامر ..
وابلغت زوجتى بالوفاه ورغم خوفها الشديد من مثل هذه الامور فهى لم تستطيع ان تودع والدها يوم وفاته الا انها الحت وبشده ان تاتى معى ولكنى رفضت لانها كانت حامل وكذلك لانى بناتى اطفال يصعب اصطحابهم او تركهم بمفردهم ..
وغادرت المنزل متجها الى مكتب الصحه لاستخراج تصريح الدفن حيث ان بطاقة والدتى الشخصيه كانت معى دائما لاننى كنت المسؤول عن قضاء حوائجها ولازالت معى حتى الان ..
وانا استخرج شهادة الوفاه بدات فى اول خطوه فى المهمه وهى ابلاغ اشقاى الثلاثه بما حدث واحتواء الموقف ..
هاتفت شقيقتى الكبرى وتحدثت معها بصوت فرح وكنت امزح معها وفى منتصف الحديث ابلغتها باننى فى حاجه لتاتى من عملها لان والدتى مريضه ونحن فى حاجه لمن ياتى معها المستشفى ولتغيير ملابسها ..
واتقنت الدور جيدا ولم تشك للحظه ان والدتى توفاها الله واتت الى المنزل وكنت فى استقبالها لابلغها بما حدث وقبل انفجارها فى البكاء طلبت منها نفس الطلب الذى طلبته من والدى وشقيقي من قبل وهو التزام الهدوء التام والرضا بقضاء الله .. تركتنى وصعدت الى والدتى لتراها ..
وكانت المهمه الثانيه وهى ابلاغ شقيقيتى الاصغر وكن هاتفها مغلق لانها نائمه فى منزلها فذهبت اليها وطرقت باب منزلها حتى استقيظت ورغم ظهور الخوف على لامحها عندما فتحت الباب فوجدتنى الا اننى استقبلتها بالضحك والمزاح والسخريه من تاخرها فى فتح الباب وقلت لها نفس ما قلته لشقيقتى الكبرى وعندما ارتدت ملابسها واستعدت للخروج معى طلبت منها ان توقظ زوجها فاندهت من طلبتى فاحتضنتها وابلغتها بالامر وقبل انهيارها طلبت منها التماسك حتى ننتهى من مهمتنا على اكمل وجهه ..
تقبلت النصيحه وتماسكت وابلغت زوجها .. وانصرفنا إلى منزل الاسره لاستقبل اصغر اشقائى وابلغه ما حدث .. وبفضل الله رزقنا الله حاله من التماسك الغير متوقعه على الاطلاق بل والتى كانت تثير دهشة جميع اقاربنا وجيراننا ومعارفنا ممن حضر وقتها .. وبدا خطوات العمل ..
قمت باخلاء الشقه ولم اترك مع والدتى سوى المغسله ومعها جارتنا واشقيقاتى وزجات اخوتى وزوجتى التى فاجاتنى بانها حضرت وتركت اطفالنا عند جارتنا ..
ذهبت لصلاة الظهر وابلغت من فى المسجد بان صلاة الجنازه على والدتى ستكون وقت صلاة العصر فى مسجد الصحابه وهو مسجد كبير وقريب من منزلنا ..
وقبل صلاة العصر بدقائق انتهىت المغسله ومن معها من عملهم واتت لحظه المعانقه والنظره الاخيره ودخل اشقائى وانتهى الجميع الى ان اتى الدور عليه فاندفع نحوها وانا احاول ان اتمالك كل اعصابى مستعينا بالله فقط ..
واقسم بالله اننى وجدت امى نائمه مطمئنه مبتبسمه بشرتها صافيه وملمسها ناعم وكاننى اراها فى احسن احوالها واقسم بالله اننى عانقتها واستلقيت براسى على صدرها وانا مبسوط وسعيد واهمس لها بكلمات الوداع وابشرها بانها ذهبت الى حبيبها الذى كانت دائما على علاقه مستمره معه ..
ثم انصرفت فى هدوء تام وبدا التحرك ذهابا الى المسجد .. هذا المسجد كبير وغالبا لايتم الاستعانه بالساحه الخارجيه له الا فى صلاة الجمعه ..
وكانت المفاجاه عندى وصولنا المسجد فاذا بعدد من المصلين يغلق خط سير السيارات واقسم اننى لااعرف منهم الا قليل جدا ورزقنا الله بتسير غير عادى فى كل شئ ..
فرغم اننى كنت صائم انا واغلب من كان معنا لانه كان يوم عاشوراء الا ان الجميع بعد انتهاء صلاة الجنازه اصر على الحضور معنا الى المقابر بعد ان منعت حضور النساء جميعا بما فيهم شقيقاتى وزوجتى وزجات اخوتى …
وتحركنا فى طريقنا الى مقابر الفيوم فاذا بعدد كبير جدا من السيارات ينضم الينا ونحن فى الطريق ووصلنا المقابر بعدد من السيارات قد يصل الى خمسون سياره .. ووسط هذا الزحام الطيب ..
اخترقت الجميع وكنت اول من نزل الى القبر لاطمئن بنفسى على وضع والدتى اتجاه القبله وما اخشاه قد كان فوجدت خالتى وجدتى فى وضع عكس القبله فتم توجيههم اتجاه القبله وتلقيت والدتى لاضعها انا وشقيقى الاصغر بجوارهم ولم اتركها قبل ان ابلغها واذكرها باعمالها الطيبه فى الدنيا والتى كانت تبتغى بها مرضاة الله ..
وخرجت من القبر وكان اذان المغرب فاخذت رشفة ماء لافطر عليها وكذلك اغلب الحضور لانهم كانوا من الصائمين ….
نسالكم الدعاء لأمي وأمواتنا جميعا…



