لا أحد شعر بغيابها… ولا أحد طرق بابها ليطمئن عليها.
حتى أصبحت الرائحة هي الرسالة الوحيدة التي أعلنت أن هناك إنسانة كانت تعيش هنا… ثم رحلت في صمت.
القصة تعود إلى يارا شابة تبلغ من العمر 31 عاما كانت تعيش بمفردها في مدينة دهب بمحافظة جنوب سيناء.. وتعمل في مجال التسويق العقاري بينما تقيم أسرتها في مصر الجديدة.
بدأ اكتشاف المأساة عندما انبعثت رائحة كريهة من الشقة فأبلغ الجيران الجهات المختصة.
وعند دخول الشقة عثروا على جثمانها في حالة تحلل بعد مرور نحو 9 أيام على وفاتها.
التقرير المبدئي أشار إلى أن الوفاة غير طبيعية وتم نقل الجثمان إلى مستشفى دهب تحت تصرف جهات التحقيق..التي أمرت بانتداب الطب الشرعي لتشريح الجثمان وبيان السبب الحقيقي للوفاة مع استكمال التحريات وسماع أقوال كل من له صلة بالواقعة.
كما ذكرت التحريات الأولية أن يارا كانت تمر بظروف نفسية لكن ذلك لا يعني أن سبب الوفاة قد حسم فحتى هذه اللحظة لا يزال التقرير النهائي للطب الشرعي هو الفيصل وجميع الاحتمالات ما زالت قيد الفحص.
لكن بعيدًا عن نتائج التحقيق… هناك تحقيق آخر يجب أن نجريه مع أنفسنا.
كيف يمكن لإنسانة أن تغيب 9 أيام كاملة دون أن يسأل عنها أحد؟
كيف تمر تسعة أيام بلا مكالمة واحدة تقلق لعدم الرد؟
ولا رسالة تقول إنتى فين؟ ولا صديقة تشعر أن غيابها ليس طبيعيا ولا زميل عمل يلاحظ أنها اختفت.
ولا أحد يطرق الباب لأنه شعر أن الصمت طال أكثر من اللازم….
المؤلم في القصة ليس فقط أن فتاة رحلت…
المؤلم أنها رحلت وسط عالم مزدحم بالبشر.. لكنه فقير في السؤال.
أصبحنا نعرف آخر ستوري ينشره الناس لكننا لا نعرف كيف يعيشون نضغط إعجابا على الصور ولا ننتبه أن صاحبها ربما يقضي أيامه وحيدا.
لدينا مئات الأسماء في الهاتف
وآلاف المتابعين على مواقع التواصل لكن عندما يختفي أحد… قد لا يلاحظ أحد اختفاءه.
هذه ليست مأساة يارا وحدها…بل مأساة جيل كامل يعيش في عزلة رغم الضجيج…هناك من يضحك أمام الجميع ويعود إلى بيت لا ينتظره فيه أحد.
وهناك من يكتب أنا بخير وهو في الحقيقة يستغيث وهناك من ينتظر رسالة واحدة أو مكالمة قصيرة أو سؤالا بسيطا يشعره أنه ليس منسيا.
لا أحد يعرف ما يدور داخل قلوب الناس ولا حجم المعارك التي يخوضونها بصمت.
رحم الله يارا.. وربنا يصبر أهلها ويبقى الدرس الذي يجب ألا ننساه…لا تؤجل السؤال عن من تحب اتصل بوالدتك… اسأل علي أختك اطمئن على صديقك مر على جارك الذي يعيش وحده لا تنتظر مناسبة لتسأل.
فربما تكون مكالمة لا تستغرق دقيقة واحدة سببا في إنقاذ إنسان من الوحدة أو من اليأس… أو على الأقل تمنعه من أن يرحل ثم لا يكتشف العالم غيابه إلا عندما تتكلم رائحة الموت بدلا منه.



