في شرفة في مستشفى النيل بدراوي تطل على النيل في غروب هادئ صوت الماء يختلط بنداءات العصافير.
يجلس د. جمال شعبان في كرسي هزاز، يضع يده على قلبه كأنه يستمع لنبض المكان.
يدخل د. حسام بدراوي حاملاً كوبين من الشاي، يتأمل الجدران العتيقة.
د. حسام بدراوي: (بصوتٍ يخنقه الحنين)ها هي الشرفة يا جمال … تلك التي كانت دكتورة نادية بدراوي أختي الكبري تجلس فيها لتقرأ تقارير المرضى، ود. حمدي أخي الأكبر يعدّد فيها مفردات الأدوية كأنها قصائد.
كنا نظن أن الجدران تحفظ النبض، لكنها اليوم تئن تحت وطأة الصمت.
د. جمال شعبان: (مبتسماً ابتسامة الموجوع ) القلب يا د حسام لا ينسى عناوينه.
هذه المستشفى كانت شرياناً للمجتمع، تتداوي فيها الأجساد وتتعافي الأرواح .
أتذكر أيام كان يأتيها الأديب الكبير الذي كتب روايته الأخيرة على سريرها، ولاعب الكرة النجم الذي يسعد الجماهير والمطربة الشهيرة التي كانت تغني للمرضي بجوار الأسرة البيضاء لتخفيف آلامهن؟
كانوا نجومًا، لكن الأجمل كانت روح المكان. لقد سمعت الفنانة شادية ترتل القرآن بصوت ملائكي تهتز له جنبات العناية المركزة بجوار سرير أمها السيدة المنحدرة من أصل تركي طريحة الفراش في مرضها الأخير قد كان يداويها أبو طب القلب العملاق الراحل د عبد العزير الشريف د. حسام بدراوي: (يشير بيده نحو النيل)- هذا النيل شاهِدٌ علي التاريخ رأى دموع الفرح حين شُفِيَ مريض، ودموع الأسى حين رحل آخر.
كنتُ أقول لتلاميذي : “الطب بدون روح كالتعليم بدون تربية وبلا قيم”.
عدتُ لأجد المستشفى بعد ما بيعت… لم يبقَ منها إلا الذاكرة.
المستثمرون الجدد يرونها فندقًا أو برجًا سكنيًا، ومبني سامقا باسقا لا معني متعمقا متدفقا ولا تاريخًا عريقا متعملقا .
د. جمال شعبان: (ينظر إلى السماء وكأنه يخاطب الغائبين) متلازمة القلب المكسور ليست للمرضى فقط يا صديقي.
إنها تصيب الأماكن أيضًا.
هذا المكان كان ينبض بكوادر طبية وكنوز إنسانية هم صفوة أطباء وعقول وأرواح مصر وكوكبة من قلوب ملائكية كانوا يعرفون كل مريض باسمه، وكل زاوية بقصتها.
الآن أراها جسداً بلا روح، مثل إنسان فقد حبيبته.
لقد كتبتُ عنها في رسالتي الطبية، لكن الأطباء نَسُوا أن القلب عضوٌ عاشق.
د. حسام بدراوي: (يشرب رشفة من الشاي بطقوس الحزين): في أمريكا، تعلمتُ أن التطوير لا يكون بهدم الذاكرة.
بنينا مدارس جديدة، لكننا حافظنا على المكتبات القديمة. ثمة أقوام من بني جلدتنا قد أساءوا فهم التطوير ، يهدمون الماضي باسم المستقبل.
أتذكر أن د نادية كانت تُصرّ على أن يكون باب العيادة مفتوحًا للفقراء قبل الأغنياء.
كانت تقول: “النيل لا يفرق بين من يشرب منه”.
أما د حمدي، فكان يوزع الأدوية كأنها هدايا، ويقول الدواء ليس سلعة للبيع .
د. جمال شعبان: (بصوتٍ كالرافعي في نثره)المستشفى كالإنسان: له طفولة، وشباب، وشيخوخة.
كان شبابها حينما كنا في ربيع العمر وريعان الشبيبة كنا نسمع ضحكات الممرضات في الممرات، وصرخات الأطفال الذين كانوا يخافون من الإبر، وحكايات العجائز عند النافذة.
أما اليوم… فقد صار لها قلبٌ مكسور، ينتظر من يعيد له النبض، ليس بالمال، بل بالحب.
د. حسام بدراوي: (بلهجة المنفلوطي الحزينة)نحن يا جمال نحمل في صدورنا وطنًا صغيرًا هو هذه المستشفى.
قد نكون بعناها كمبني، لكننا لم نبع ذاكرتنا.
لم نبع رسالتنا الإنسانية كنتُ أخطط لدمج التعليم بالصحة، أن نجعل كل سريرٍ مدرسةً، وكل طبيبٍ معلمًا.
لكن ثمة أقوام عاكفون علي الاستثمار في الحجر، عازفون عن بناء البشر اشتروا القالب ولم يشتروا القلب ولم يشتروا الروح.
انظر إلى هذا الغروب… كم مرة وقفنا هنا نتأمل، وكنا نظن أن الغد سيكون أجمل؟
د. جمال شعبان: (يمسك بكتف د حسام كطبيب يلمس نبض مريض)لا تحزن يا صديقي.
أنت ما زلت أيقونة وملهما ومبدعا للأجيال والقلب المكسور قد يتعافي بالتذكار والنوستالجيا ، وبأن نروي حكايته لمن يأتي بعدنا.
لن أتلو لك علي أطلال ذكراها ما قاله امرؤ القيس قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل دعنا نكتب هذه السيرة، لا كرثاء، بل كدعوة لبناء مستشفى جديد في قلوب الناس.
فكل شبر في هذا المكان كان يحكي قصة إنسانية… وسنظل نحفظها كمن يحفظ آيات الكتاب.
د. حسام بدراوي: (يبتسم ودمعة في عينيه)أتدري ما قالته د نادية في آخر لقاء لنا؟
قالت: “المستشفى مثل النهر، لا يموت، بل يغير مجراه”. ربما تغير مجرانا، لكننا سنبقى نروي ظمأ العابرين.
تعالَ نصنع من هذه النوستالجيا عيادةً في القلوب، حيث يستطيع أي مريض أن يجد طبيبًا، وأي طالب أن يجد معلّمًا.
د. جمال شعبان: (يرفع كوبه كأنه يختم عهدًا)إلى النيل الذي يشهد، وإلى د نادية ود حمدي ود هدي چورچ و د حسن معبد و د أشرف زغلول ود وائل الغفير ود مازن نجا ود عمر الخشاب ود أبو بكر و د محمود عناني و د وجيه ومس فريال ومس نفيسة ومس شافية وسعدية ومني وكل من مرّوا من هنا… سنبقى أطباء للقلب، وحفظة للتاريخ، حتى ولو بيع الحجر، تبقى الروح ملكًا لنا.
(ينظران معًا إلى النيل، وتغيب الشمس خلف الأبراج الجديدة التي تطل على المكان، وكأنها تودع عصرًا وتستقبل آخر).


