شخصية الباشا المستبد، ورجل الأعمال الصلف العنيد “عبد المجيد باشا رشدي” جسَّدها بإقتدار معهود، وسلاسة معتادة الفنان العملاق “زكي رستم” في فيلم “لن أبكي أبداً” للمخرج الكبير “حسن الإمام” عام ١٩٥٧، عن قصة وسيناريو وحوار الأستاذ “محمد مصطفى سامي”.
وأضاف إليها “رستم” بعداً جديداً بمعاملته الرقيقة الناعمة، وضعفه التام أمام رغباتها، وتدليله لإبنته الوحيدة “هدى”أو سيدة الشاشة العربية “فاتن حمامة”.
و يروي لنا الفيلم من خلال حبكة درامية مشوِّقة جمعت نخبة من عمالقة السينما المصرية، منهم بطل الفيلم فتى الشاشة الأول في ذلك الوقت “عماد حمدي”، أو صاحب المزرعة النموذجية بالدقي “أحمد مصطفى” الذي تعرفت عليه “هدى” إثر حادث تصادم كانت هي السبب فيه، روى جانباً من أحوال الريف المصري الجميل المبهر .
بدأت بالمعاملة الفظَّة من صاحب عزبة مساحتها مائة فدان بمركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، وإهماله للأرض والإنتاج الزراعي بشكل عام، خصوصاً في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥، واتجاهه إلى الصفقات التجارية وأعمال الإستيراد والاقتراض من البنوك، وانتهى بتعاون صاحب العزبة مع فلاحيها، عندما عادوا إلى زراعة الأرض، وإنتاج القطن، وبيع المحصول، وتوزيع الأرباح، وإقامة اليالي المِلاح، وعناق مؤثر جمع بين المالك “عبد المجيد باشا رشدي” وكبير الفلاحين “أبو عوف” أو الفنان القدير “فاخر فاخر”، وفي هذه الأحداث مديح دون تصريح، وإشادة مستترة تتسلل إلى الوجدان، بقانون الإصلاح الزراعي الذي صدر بعد قيام ثورة يوليو بشهرين فقط، وتحديداً في سبتمبر ١٩٥٢، وحدد سقف الملكية، وقام بتمليك الأرض للفلاحين .
ثم أظهر الفيلم جانباً آخر عن بعض شركات القطاع الخاص ومنها “شركة الأغذية المحفوظة” التي ترأسها “الباشا” نفسه، وقد موَّلتها بعض البنوك بضمانات شخصية، و دون دراسات كافية، الأمر الذي أدَّى إلى إفلاسها وإفلاسه، والإستيلاء على ممتلكاته نظير الوفاء بالديون، وهو الأمر الذي مهَّدت به الدراما السينمائية في ذلك الوقت، لما كان يدور من مناقشات في المجتمع المصري، وتؤمن به قيادة ثورة يوليو، والذي بدأ بتأميم شركة قناة السويس عام ١٩٥٦ -توقيت تصوير الفيلم- وتلاه بعد ذلك صدور قرارات التأميم الكبرى للعديد من شركات ومصانع القطاع الخاص عام ١٩٦١ .
كانت الإذاعة المصرية والصحافة والسينما والفنون بصفة عامة، قبل وجود التليفزيون والإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي، بجانب دورها الثقافي والتنويري هي أهم الأدوات الفعَّالة للتمهيد السياسي والاقتصادي والإجتماعي.
خطأ واضح وقع فيه صنَّاع هذا الفيلم الرائع، وأتمنى أن أكون أنا المخطىء، فقد تم الإعلان على باب القصر عن المزاد العلني لبيع مقتنيات “عبد المجيد باشا رشدي” بعد إفلاسه، بجلسة السبت ١٠ نوڤمبر ١٩٥٤، بينما كانت كل تواريخ الشيكات والكمبيالات التي استحقت ولم يستطع “الباشا” سدادها وأفلس بعدها- كما أوضحت صور هذه المستندات- بعد هذا التاريخ، بدأت في يوليو ١٩٥٥ وحتى ديسمبر ١٩٥٦، وأكد ذلك خبر الجريدة التي أعلنت عن ذلك، وأعلى الخبر وفي المتن تحليل لقرار تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس عبد الناصر في يوليو ١٩٥٦ بالأسكندرية .



