بقلم الإعلامي خالد سالم
في كل زمن تتبدل الأسماء وتبقى الحيلة واحدة.
في مصر، استقر في الوعي الشعبي لقب “المستريح” لوصف ذلك الشخص الذي يبيع الوهم في هيئة فرصة، ويغلف الخداع بعبارات الثقة والربح السريع.
هو ليس مجرد نصّاب تقليدي، بل نموذج متطور من الاحتيال الاجتماعي والاقتصادي، يعتمد على فهم عميق لطبيعة البشر قبل أن يعتمد على أي خطة مالية.
المستريح لا يبدأ قصته بالنصب، بل ببناء صورة.
يظهر كرجل ناجح، واثق، كريم، وربما متدين أو قريب من الناس.
يختار ضحاياه بعناية: أصدقاء، أقارب، أبناء نفس القرية أو الحي، لأن الثقة هنا تُمنح مسبقًا دون تدقيق.
يعرف أن رأس ماله الحقيقي ليس المال، بل “السمعة”.
يفكر المستريح بعقلية المستثمر، لكنه يستثمر في الثقة لا في المشاريع.
يدرك أن الناس تبحث عن فرصة لتحسين حياتها، خصوصًا في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.
لذلك يعرض عليهم ما يبدو كحل سحري: أرباح كبيرة خلال فترة قصيرة، دون مخاطرة تُذكر.
يزرع فيهم الأمل، ويغذي الطمع، ويُسكت صوت الشك بعبارات مطمئنة مثل “الكل كسب” و“أموالك في أيدٍ أمينة”.
أما التخطيط، فهو أدق مما يظن البعض. يبدأ بدائرة صغيرة، يفي بوعوده مع أوائل المستثمرين، بل ويدفع لهم أرباحًا حقيقية في البداية.
هذا ليس كرمًا، بل استثمار ذكي في الدعاية المجانية. يتحول الضحايا الأوائل إلى مسوّقين له، ينشرون قصص النجاح ويجذبون مزيدًا من الناس.
وهكذا تتسع الدائرة، ويكبر رأس المال، ويزداد نفوذه.
في مرحلة لاحقة، تتغير قواعد اللعبة.
يبدأ في تأخير الأرباح، ثم تقديم مبررات: “السوق متقلب”، “هناك صفقة كبيرة قادمة”، “انتظروا قليلًا”.
يشتري الوقت، بينما يجهز للهروب.
في هذه اللحظة، يكون قد جمع ما يكفي من الملايين ليختفي، تاركًا خلفه ضحايا في حالة صدمة، يتساءلون كيف صدقوا.
الخدعة الكبرى التي يمارسها المستريح ليست في الأرقام، بل في علم النفس. هو يعرف أن الإنسان يميل لتصديق ما يتمنى، ويخشى أن يفوّت الفرصة.
يستغل ما يسمى “عدوى الثقة”؛ عندما يرى الشخص أن الآخرين يثقون، يثق هو أيضًا.
وهنا تتحول الشكوك الفردية إلى يقين جماعي زائف.
لكن السؤال الأهم: لماذا يتكرر هذا المشهد؟
الإجابة لا تتعلق بالمستريح وحده، بل بالبيئة التي تسمح له بالظهور.
ضعف الوعي المالي، والرغبة في الربح السريع، والثقة المفرطة في العلاقات الشخصية، كلها عوامل تخلق أرضًا خصبة لهذا النوع من الاحتيال.
المستريح ليس عبقريًا خارقًا، بل قارئ جيد للنفس البشرية.
يعرف كيف يلمس أوتار الطمع والخوف والأمل.
ومع كل قصة سقوط، تتكرر الحكاية بأسماء جديدة ووجوه مختلفة، لكن السيناريو واحد.
في النهاية، ربما يكون الدرس الأهم أن الاستثمار الحقيقي لا يأتي من طريق مختصر، وأن أي وعد بالربح السريع دون مخاطرة هو في الغالب بداية قصة خاسرة.
فالمستريح قد يهرب بالأموال، لكنه يترك وراءه درسًا قاسيًا: الثقة العمياء هي أغلى ما يمكن أن يخسره الإنسان.



