مجموعة من الأفلام السينمائية المتتالية، قام ببطولتها العندليب الأسمر “عبد الحليم حافظ” في السنوات من ١٩٥٧ وحتى عام ١٩٦٢، كانت -من وجهة نظري- سبباً رئيسياً في جلوس “حليم” على عرش الغناء المصري والعربي، واستقر كذلك منذ بداية تلك الفترة حتى رحيله في ٣٠ مارس ١٩٧٧ .
منذ بطولته لفيلم “الوسادة الخالية” عام ١٩٥٧، حتى فيلم “الخطايا” عام ١٩٦٢، وبينهما أفلام “شارع الحب” و”حكاية حب” و”البنات والصيف” و”يوم من عمري”، وحتى بعد عدة سنوات عندما عُرِضَ له فيلم “معبودة الجماهير” في بداية عام ١٩٦٧ .
هذه المجموعة من الأفلام الرائعة، أمتعنا فيها “حليم” بكنوز ثمينة من إبداعه، وبأغنيات عبّر فيها بأصدق المشاعر والأحاسيس عن الفرحة والإنطلاق والشباب والغرام والشوق والندم والعتاب.
كل أغنية بذاتها كانت حكاية خاصة شيقة .
كلمات لأعظم الشعراء، ونغمات لأباطرة الموسيقى والألحان، سطَّرت مجداً فنياً خالداً، وصنعت وجداناً مصرياً وعربياً مازال يحيا نشواناً بآثار هذا الإبداع الفريد.
إلا أن هناك ظاهرة غريبة ملفتة جداً للإنتباه، ربما تكون صدفة، وربما صنعتها وفرضتها طبيعة وتفرد النغمات الساحرة .
فهل هي الصدفة التي جعلت “الأغنية الأخيرة” في كل هذه الأفلام، الأغنية التي تحمل كل أشجان ومشاهد “حكاية الفيلم كله” بحِلوَها ومُرَّها، تكون دائماً من ألحان ملحن واحد فقط، هو الموسيقار صاحب النغمات الأنيقة الرقيقة “كمال الطويل”؟!
هل هذا منطقي في وجود كل هؤلاء العظماء من الملحنين الذين تعاونوا مع “حليم” في نفس المرحلة ؟
ففي آخر فيلم “الوسادة الخالية” سمعنا من “حليم” ومن ألحان “كمال الطويل” أغنية “في يوم من الأيام كان ليَّا قلب”، وفي آخر فيلم “شارع الحب” أبهرتنا “نعم يا حبيبي نعم” من ألحانه أيضاً .
ثم كان فيلم “حكاية حب” وكانت الأغنية الأسطورية الخالدة “في يوم في شهر في سنة” هي آخر أغاني الفيلم، ومن أعظم ما لحَّن هذا العبقري.
حتى في فيلم “البنات والصيف” ذو الطبيعة الخاصة، كانت أغنية “راح.
راح” بأسلوبها الجديد، وكانت الثانية من أغنيتين فقط شملهما الفيلم.
وعن “يوم من عمري” فحدث ولا حرج ، فقد أنهى “حليم” هذا الفيلم بمعجزة السهل الممتنع “بعد إيه،،، أبكي عليه واشتاق إليه”، وبتعبير مذهل بين الشوق والندم، كتبه الشاعر الكبير”مأمون الشناوي” وصاغ اللحن البديع نفس الموسيقار .
وفي الخطايا كان تتر النهاية ينزل مع حلاوة أغنية “الحلوة الحلوة برموشها السودة الحلوة” من ألحانه أيضاً.
إلى أن وصلنا إلى آخر فيلم “معبودة الجماهير” والذي انتهى برسالته الرقيقة التي كانت بعنوان “بلاش العتاب”.
كل هذه الأغاني، الأخيرة في كل هذه الأفلام، من ألحان نفس الموسيقار المبدع “كمال الطويل” .
وكأنه يتحدى بألحانه في مجريات الأحداث قائلاًإني وإن كنتُ “الأخير” زمانُه لآت بما لم تستطعه الأوائلُ.
فهل كان “الطويل” صديق “حليم” المقرًّب، هو أفضل من يستشعر حالة “حليم” الوجدانية التي تنتابه جرَّاء “حكايات” أفلامه فيستطيع أن يحكيها بألحان نابعة من هذه المعايشة؟.
أم كان -في ذلك الوقت- الشاب “كمال الطويل” سليل العائلة السياسية الشهيرة والذي كانت تجربته الحياتية الشابة قد تباينت ظروفها عندما تنقل بين طنطا والأسكندرية والقاهرة فاستطاع أن يعبر بموسيقاه عن كل آمال وأحلام وطموح ومتاعب هذا الجيل من الشباب؟



