إذا أردت أن تدرك ، وتدرس ، كيف يمكن أن يتم الترويج والإشادة، بما حققته الدولة من إنجاز لمشروع قومي عملاق، من خلال عمل فني كوميدي إجتماعي مبهج، يصل متسللاً إلى أعماق وجدان الناس، فلا عليك إلا أن تشاهد فيلم “صغيرة على الحب” الذى أُنتِج عام ١٩٦٥ لسعاد حسني و رشدي أباظة .
يعتبر هذا الفيلم -من وجهة نظري- أطول مادة دعائية تجاوزت الساعتين لأعظم مشروع مصري فى القرن الماضي، وهو إطلاق البث من “التليفزيون العربي” عام ١٩٦٠ (الجمهورية العربية المتحدة) من مبناه فى شارع ماسپيرو المطل على نيل القاهرة، والذي كان الأول إفريقياً والثانى عربياً بعد التليفزيون العراقي الذى بدأ عام ١٩٥٧.
من اللحظة الأولى للفيلم، لم تقل سعاد حسني أو “سميحة عبد السلام” لسائق التاكسي -الذى لم يسألها أصلاً- إلا كلمة واحدة “التليفزيون العربي”، وكأن هذا هو “إسم الفيلم” .
وإذا بالثلاثي المرح يغنين مع تتر البداية وكتابة الأسماء على الشاشة، أغنية بديعة فى بساطتها وعمقها، كنا نحفظها جميعاً، للشاعر عبد العزيز سلام ولحن عبد العظيم عبد الحق ، تقول بداية الأغنية :التليفزيون بقى فى بلادنا حاجة عظيمة التليفزيون كل ثقافة وعلوم وفنون التليفزيون بيسلي تمام زى السيما التليفزيون مسابقة لإكتشاف الكنوز من المواهب الجديدة يجريها “التليفزيون العربي” لتوضيح أحد أدواره، وتعلن عنها الصحف وتتقدم لها أعداد كبيرة منهم فتاة قادمة من الأسكندرية هي بطلة الفيلم.
سألها سائق التاكسي عن العنوان بعد زيارتها الأولى للمبنى فقالت “مصر الجديدة” فى إشارة إلى العهد الجديد والإنجازات المتتالية .
ولم يكن إختيار ‘صلاح عبد الصمد’ أو الفنان العبقري “نور الدمرداش” الذي لعب أفضل أدواره وأخفها ظلاً، وليداً للصدفة، بل هو مشاركة فى هذا العمل الفني من مبدعي ومديري هذا الصرح متمثلاً فى المخرج التليفزيوني الأشهر فى مصر فى ذلك الوقت .
التصوير الذى تم بالفعل داخل مبنى ماسبيرو، والمكتب الجميل الرحب للمخرج كمال عزمي “رشدى أباظة”، وتزينه لوحات مبهرة رسمها فنانون تشكيليون عظام أعتقد أن على رأسهم الأسطورة “صلاح طاهر “.
والتصوير فى المطعم والكافتيريا أعلى المبنى فى منظر ساحر على ضفاف النيل ،بمثابة إظهار للإهتمام بكل تفصيلة أدت إلى عظمة هذا البناء الفريد.
خلايا نحل من الكاميرات والمصورين، الأستوديوهات والپروڤات، المخرجين والمساعدين، الإداريين وأطقم العمل ، أعداد كبيرة من الناس فى الأروقة والطرقات وأمام المصاعد .
صور الفتاة الصغيرة التى فازت فى مسابقة يجريها “التليفزيون العربي” ولأنه يستحق أن يكون حدثاً فنياً مهماً، فتكون غلافاً لمجلات مصرية كانت شهيرة للغاية فى ذلك الزمان، هى مجلة “الإذاعة والتليفزيون ” ومجلة “الكواكب” .
إحترام وقت المشاهد وعد تنازلي بالدقيقة والثانية للحظة بدأ الإستعراض فى بث مباشر (فاضل ١٥ دقيقة، فاضل ١٤ دقيقة ونص) .
إظهار مصداقية ما يتم تقديمه للناس، فى إعلان السن الحقيقي لفتاة الإستعراض، مع الإعتذار من مخرج العمل شخصياً للجمهور، وإعتراف بخطأ لم يكن متعمداً .
أما إستعراض “صغيرة على الحب ” والذى حضره جمهور غفير على الهواء مباشرة وأثناء بثه تليفزيونياً من مسرح التليفزيون داخل المبنى نفسه، فحدث ولا حرج، ما هذه الروعة فى كلمات حسين السيد ؟!
وما هذا الإعجاز فى لحن محمد الموجى؟!
والإبهار فى تصميم الرقصات والديكور والألوان الباعثة للأمل والبهجة والتفاؤل .
نرفع القبعة ونقدم الشكر لمن أسعدونا ومازالوا، لعبقري السيناريو عبد الحي أديب، وكاتب الحوار الرشيق أبو السعود الإبياري، وأستاذ أساتذة الموسيقى التصويرية علي إسماعيل، وتقدير مستحق للمخرج الكبير نيازي مصطفى .
في مثل هذا اليوم ٢١ يوليو من عام ١٩٦٠ كان بدء الإرسال التليفزيوني في مصر .



